إسبرطة الإقليم الصغير، الطامح لكي يكون كبيرًا، الباحث عن رفاهية شعبه، ونضوجه بين أقرانه، إقليم صغير وسط العمالقة، فهناك أثينا اليونانية التي تريد إخضاع الإقليم النموذج، الذي أعطى لشعبه حرية التعبير واختيار ممثليه، وَكَوَّن نَمُوذجًا من جيشٍ أُخِذ مثالًا للقوة وإخلاص مَلِكه تجاه شعبه ووطنه، هذا الملك الذي تحدى البرلمان الإسبرطي الذي أُفْسِد بمال العمالقة، وقاد 300 جندي سَطَّروا أروع البطولات في مواجهة العملاق الفارسي.

تصدى أبطال إسبرطة ال 300 للجحافل الفارسية التي اعتقدت أثينا ومَنْ حولها مِن المدن الإغريقية، أَنَّها لا تقهر وآثروا عدم المواجهة وانتظار المصير أيًّا كانْ، إلا أن بطلًا من الثلاث مائة عاد جريحّا ليَقُص على الإسبرطيين كيف لهذه الكتيبة الصغيرة المسلحة بتكتيكات عسكريةومهارات وفنون قتالية  نَدُر وُجودها في ذلك الوقت، فسرت القصة في كل مدن الإغريق مما رفع الروح المعنوية لديهم وتوحدوا مع إسبرطة، حتى ذاق الجيش الفارسي طعم الهزيمة المُذلة، وعاد من حيث آتى.

إلا أن إسبرطة أصبحت نموذجًا يَحْتذي به كثير من الجيوش، وظل ذكرها وأبطالها تتناقلهم ألسنة الأجيال جيلًا بعد جيل،

تتشابه قطر كثيرًا مع إسبرطة، فهذا البلد الصغير مِساحة تَحول مع مرور الوقت إلى نموذج يَتحاكاه سكان العالم.

حَوْلَ هذا البلد الصغير يوجد عمالقة العالم العربي والعالم الإسلامي، فيوجد مصر، والسعودية، وإيران، والعراق، وسوريا، وليبيا، والإمارات وفي المقابل يوجد الشيخ حمد بن خليفة الأمير الوالد، هذا الرجل الذي امتلك طموح النهوض ببلده الصغير، ووضعها بين مصاف الدول المتقدمة والمؤثرة، يمتلك هذا الرجل دَهَاءً انقطع نظيره بين أقرانه من حكام المنطقة، فكان غيره من أقرانه يضخ أمواله في شراء السلاح واسترضاء الغرب بمزيد من فوهات المصانع في بلاد الغرب.

لكنه استقرأ المستقبل وعرف أن المستقبل في حِينِه هو السيطرة على توجه عقول البشر، فلم يَعد السلاح هو مَنْ يخضع البشر وإنما الإعلام؛ إنه السلاح  الذي يُخْضِع البندقية والصاروخ ويُجْبر فوهة المدفع على السكونْ.

أنشأ في بداية حكمه قناة الجزيرة، فكانت صوت من لا صوت له، وكان لها الفضل الكبير بعد الله أنْ غرست في عقول مجموع الأمة العربية فكرة؛ أن قوة الحُكام وغطرستهم تتبخر حينما يجتمع قليل من الناس ينادون بحقوقهم المهضومة من قبل الحكام وأبنائهم، فتتناقلها قناة الجزيرة وتطرق أبواب بيوت العرب، فتجد ترحابًا وتفاعلًا منقطع النظير، فتكون بداية الشعلة التي تحييها مع الوقت لتصبح نارًا تأكل الطواغيت.

والقضية الفلسطينة التي كانت قطر صوتها، وإذابة الجليد الذي جثم على قلوب الأمة بفعل إعلام الغرب وإغراقه شبابها في الملذات من الأفلام والمسلسلات.

فكانت جوامع القاهرة ودمشق وبغداد تَهْتف حُبًّا لفلسطين وَدفاعًا عن أقصى الأمة، وصور الجزيرة تَتناقلها أيدي المُحْتَرِقة قلوبهم على أقصاهم، وهي تقوم بِدور الهدهد فَتغرد وتَشدو في أنحاء الوطن ناقلة أخبار الأمة فينصت لها الجميع، ومن العجيب أن طواغيت العرب كانت تأسرهم حلاوة صوتها وَصِدق خبرها.

الحقيقة أن قطر كان لها فضل كبير بعد الله في إذكاء الربيع العربي واستمراريته، وهي أول من وضعت قانونًا في الوطن العربي؛ أن الإعلام المرئي أقوى من الدبابة والمدفع.

أين نهاية أقران الأمير الوالد من الحكام؟ إما منبوذ وإما مقتول وإما مرتعد.

ها هم حكام العرب ينظرون إلى قطر بعين الخوف على مستقبلهم، وتجد أحدهم إما يتودد خوفًا أو يضع كل مقومات الدولة لمهاجمتها (السعودية، مصر، الإمارات) هزمتهم قطر هزيمة مدوية، فدول مجتمعة تمتلك المال والبشر، لم تستطع أن تؤثر في دولة صغيرة أو تحجب صوتها الذي يدوي في عنان السماء.

قطر هزت عرش الأسرة المالكة في السعودية، وحاصرتها بعد أن بدأت بالحصار عليها لإخضاعها وإذلالها، ولتتَخلص من قوتها، إلا أن قطر ماذا فعلت؟

أصبحت الأسرة الحاكمة في حصار من العالم، لم يعد أحد من حكام العالم الحر يرغب في التقاط صورة مع حكام المملكة خوفًا من أن يتسخ ثوبه، ويخسر سمعته.

قطر هزمت الإمارات في اليمن بدون طلقة واحدة، وجعلتها تخسر مئات المليارات، وتعود ناكصة على عقبيها مهزومة أمام شعبها، وجعلتها رمزًا لكل ما هو شر، فالإمارات التي كانت ترى نفسها إسبرطة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والمتحكمة في حكامها، أصبحت نموذجًا للشفقة على حالها.

لكن قطر أصبح اسمها مرتبط بما هو خير وها هو الطيب أوردوغان ناصر المظلومين، يشيد بدور الأمير الشاب ويعتبره بطلًا من أبطال الشرق الأوسط؛ فهو حقيقة ابن أبيه، فأن يصمد أمام عمالقة المال والسلاح والنفوذ في واشنطن، ويردهم خائبين بعد خروجهم على الأمة في زينتهم، بعد أن ظن الجميع أن قطر سيطر عليها الخطر.

وها هي ترفرف في عالم محبوبة الشعوب، وتقتحم بيوت محاصريها قبل أحبابها لتكون كالنور يسطع من زجاج النافذة، فحتى لو أوصدت النافذة سيحل الظلام، ويجبر على فتحها.

كأس العالم 2022 قبلة أجساد وعقول وقلوب البشر في أنحاء المعمورة، تهفو إلى قطر ليستمتعوا بعظمة شعبها قبل رَوْضات حدائقها وبِنْيتها التحتية والخدمية.

التحية للأمير الوالد سواءً أحببته أم كرهته، اتفقت معه أو اختلفت.

رجل سَطَّر لنفسه ولبلده في سجل التاريخ صفحات من نور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد