سؤال لماذا الشر؟ هو أقدم سؤال طرح في الكون قبل أن يخلق الله آدم وذريته وهو السؤال الذي تناقلته الكتب السماوية عن الملائكة حين سألت الله سبحانه عن سر خلق آدم «قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ» والمعهود عن الملائكة أنهم لا يسألون الله قط عن شيء أراده، فديدن الملائكة أنهم «لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ»، لكن يبدو أن خلق مخلوق حر يملك إرادة ويمكنه أن يعصي الله كان جديرًا بأن يثير تعجب الملائكة، التي لم تألف رؤية مخلوق يعصي الخالق. ولهذا كانت إجابة الله تتناسب مع هذا السياق «قال إني أعلم ما لا تعلمون» فالملائكة لا تعرف عالم الحرية ولهذا لاتستطيع فهم مخلوق يرتكب الإثم.

ورغم أن سؤال الملائكة كان قبل خلق آدم وذريته، فإنه لم يفقد أهميته عند الإنسان أيضًا فهو سؤال محير فعلًا، خصوصًا حين يعيش الإنسان تجربة الألم التي تولدها أفعاله وهو يمارس إرادته وخياراته، ولهذا نزل الوحي على الإنسان ليذكره بمسؤوليته عن أفعاله، فللحرية تبعاتها وكل خيار يتبعه الإنسان له جزاء عند الله، والأعمال صنفان طاعة جزاؤها الجنة ومعصية عقوبتها النار، وسيسدل ستار الغيب على عالم الجزاء في فترة امتحان الحرية التي سيقضيها الإنسان على الأرض إلى أن تنتهي اللعبة بالموت فيرفع الستار ويعلن الجزاء. هذه هي القصة الكبرى التي تناقلتها الكتب السماوية ورددتهها ألسنة الأنبياء.

لكن يبدو أن فريقًا من البشر نسي قصة الخلق أو اختار بإرادته الحرة أن ينساها فابتدع قصصًا منافسة لقصة الكتب السماوية تناسب هواه في التمرد على الطاعة وتجنبه تأنيب الضمير حين يسمع مواعظ الأنبياء أو يقرأ نصوص الرسالات، فكثير من الناس يستطيل الامتحان ويشتاق إلى الفردوس وبدلًا من أن يصبر حتى يصعد إليها يدوس على المنطق ويحاول إنزال الفردوس إلى الأرض. إن الإحساس الشديد بالظلم واستعجال الحالة الفردوسية خلق مكونًا إيمانيًّا منافسًا للأديان السماوية هو «العرفان» أو «الغنوصية» هذا المكون لازم الأديان ملازمة الظل لصاحبه وأحيانًا يكشف عن نفسه وأحيانًا أخرى يختار عالم الباطن ويكتفي في التعبير عن نفسه بالرموز والأساطير ولغة المجاز التي تحتاج إلى التأويل وتعدد القراءات. لا يقنع الفكر الغنوصي في صورته المتطرفة بعقيدة أن الروح التي تعصي الله هي من خلق الله ومن ثم يرفض القصة الكبرى للأديان السماوية ويبتكر بديلًا لها عددًا لا نهائيًّا من الأساطير التي تصور أصل الشر وطرق التخلص منه. يعد الغنوص فكرًا بشريًّا يطرح نفسه بديلًا عن الدين ويحاول دائمًا ابتكار الإجابات المتعددة عن سؤال الملائكة الأول عن طريق الأساطير.

تقول إحدى أشهر الأساطير الغنوصية إن خالق الكون ليس إلهًا واحدًا؛ بل هما اثنان: إله الخير والنور والجمال والحب وإله القبح والشر والظلام والكراهية وتعد الديانة المانوية (Manichaeism) أبرز تجلٍّ لفكرة ثنائية الله والشيطان بوصفهما قوتين متعارضتين ومتساويتين في آنٍ واحد، فالشيطان ليس مخلوقًا ضعيفًا ينحصر دوره في الإغواء والوسوسة وتزيين الباطل مثلما تنص الرواية التوحيدية؛ بل هو قوة منافسة للإله تمنعه من استكمال إرادة الخير وإحكام السيطرة على ملكوت السماء والأرض فالكون والفساد يحدث بتقابل إرادة الله وإرادة الشيطان وفق هذا الاعتقاد الثنوي.

يرى كثير من النقاد الغربيين أنه إذا كان من البديهي لدى كثير من المثقفين القول بأن الثقافة الغربية تقوم على الدعامتين المتنافستين للعقلانية اليونانية من ناحيةٍ، والإيمان الكتابي من ناحيةٍ أخرى، إذ لا يوجد شك في أن هذين التقليدين كانا القوتين المهيمنتين على العقل والوجدان الغربي. يمكن تعريف الأول من خلال اعتماده الوحيد على عقلانية العقل، والثاني بتأكيده على وحي إلهي موثوق به. ومع ذلك، ومنذ القرون الأولى لتاريخ الشرق والغرب معًا، وحتى يومنا هذا، كان ولا يزال هناك تيار ثالث، يتميز بمقاومة هيمنة العقلانية الخالصة والإيمان العقائدي في آنٍ واحد وهو تيار يحاول إيجاد تفسير للحياة ينهي صراع الخير والشر الآن، وهنا دون انتظار يوم الحساب، وهو تيار يعيد إحياء الغنوصية المانوية في أثواب متعددة.

 على هذا الأساس يصنف زيجموند بومان المشروع الليبرالي الغربي بمختلف إفرازاته على أنه لا يعدو كونه رؤية غنوصية للخير والشر، ففكرة الشر في التصور الغربي المعاصر تقترب من أفكار المذهب المانوي الذي يعد الشر في الإنسان طبيعة وليس طارئًا، لقد عد «ماني» مؤسس الديانة المانوية في بلاد فارس في القرن الثالث لميلاد المسيح عليه السلام أن المسيحية تحتاج إلى إصلاح بسبب نظرتها للشر على أنه معصية يمكن التوبة منها أو نقص يمكن إزالته بالإصلاح ومجاهدة النفس، بينما رأى المانويون أن الخير والشر واقعان متوازيان ومتصارعان على الدوام، ورأوا أيضا أن الإيمان المسيحي يحتوي على تناقض فإذا كان الله هو مصدر الخير والعدل والفضيلة فكيف نفسر كل هذه الشرور التي تملأ العالم وهو سؤال يردنا إلى المربع الأول وسؤال الملائكة لله عن سر خلق الإنسان المفسد في الأرض السفاك للدماء.

من تلك الجذور البعيدة للمانوية يرى باومان في كتابيه «الحداثة والغموض» و«الشر السائل» أن الحداثة الغربية تنطلق من رؤية للإنسان تفترض أن الخير والشر عنصران طبيعيان أصليان ومتساويان في الإنسان، ومادام الشر عنصرًا أصيلًا في البشر فلا مناص من الاعتراف به و«التطبيع معه» جنبًا إلى جنب مع نوازع الخير، ولا حاجة لبذل الجهود لمقاومة نزعات الشر في الإنسان لأنها طبيعية؛ بل تبدو النفعية والبراجماتية وإرادة القوة والداروينية الاجتماعية والاستسلام للاستهلاكية والعدمية والتمركز حول الذات إجاباتٍ مقنعةً ولاهوتًا للشر حسب تعبير هبة رؤوف عزت، يفسر للإنسان قدره الشرير، ومن ثم يجبره على التصالح معه، وهكذا فإن الشيطان وفق المانوية العالمية الحديثة ليس هو شيطان الأديان الذي ينبغي دفعه والاستعاذة بالله منه، بل يصبح الواقع الذي لا ينبغي تغييره هو الشيطان والرحمن في آنٍ واحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد