قضية شغلت العالم كما لم تشغله محاكمة من قبل في آخر 20 سنة تقريبًا بحسب معرفتي بقضايا الرأي العام الأمريكي والعالمي.. السجالات.. فريق الدفاع.. نجم هوليود البارز والممثل الموهوب أمام الجميلة ذات الملامح الحادة الباردة التي تذرف الدمع (بالطلب) أثناء الشهادة بذكريات (التعنيف) في حقها، بينما تقلب عينيها ساخرة عندما تسمع شهادة ضحيتها حول أصبعه المقطوع إثر تعنيفها.. انتشار (ميمز) ساخرة، والتفاف الغالبية العظمى من المتابعين حول النجم الذي أوضح للجميع أنه ضحية هذه المرة بعد أن أخذت هوليود عاصفة «حركة مي تو» التي استهدفت رجال الفن ذوي النفوذ الذين يسيئون ويبتزون النساء جنسيًا.. وهنا بدأ قلق من نوع خاص يستشري في أوساط النشطاء، والصحافيين الليبراليين، والمدافعين عن حقوق النساء بالطبع: (رجل) يكسب قضية تدعي فيها (امرأة) أنها ضحية عنف من زوجها، بينما الضوء يسطع وبقوة على حقيقة أن العكس هو الصحيح.. فالرجل هذه المرة هو الضحية.
وهو ما بدأ كموجة ذعر خفيضة بين أوساط بعض النسويات – وبعض الصحف الغربية التقدمية – على منصات التواصل الاجتماعي، وتحديدًا في عالم مواز قد لا يعرف عنه الكثيرون شيئًا: عالم «التيكتوك»: التطبيق الذي غطى القضية بشكل مكثف لا يمكن لمستخدم أية منصة أخرى أن يفهمه ما لم يتابعه.
وبدون الخوض في مدى أهمية وانتشار ومكانة «تيكتوك» الآن – ككوكب سوشيال ميديا صيني في مجرة رقمية (التواصل الاجتماعي) صنعها الأمريكيون – بيد أن هذا الذعر غير منطقي؛ فبدأت على سبيل المثال إحدى الناشطات الأمريكيات في الإعراب عن قلقها الواضح وبصورة واضحة، وقالت خاطرتها وكأنها تقول هذا على لسان النسويات كلهن:
– «هذا لايمكن أن يكون جيدًا – تقصد التعاطف مع ديب – العالم سيصدق الرجال الآن».
ويتبدى لي من هذا الرأي أن عُرفًا صار أشبه بقانون صارم لا ينكسر؛ ألا وهو الاصطفاف والالتفاف دائمًا وأبدًا إلى جانب الضحية (التي هي دائمًا وأبدًا) المرأة.
ويعيد هذا الجدال إلى الأذهان الخلاف الاستقطابي بين الذكور والإناث في العالم كله – والعالم العربي كجزء منه – والذي يتمحور حول السؤال: هل يجب أن نصدق النساء أنهن ضحايا عميانيًا؟ هل نصدق كل من يخبر العالم أنه (ضحية)؟ لماذا يجب أن نصدق الضحايا بدون أية أدلة سوى الادعاء؟ وتحديدًا لماذا يجب أن نصدق النساء؟ نقطة. في عرف النسويات المتطرفات يذكرنا بعاصفة (تصديق الناجيات) التي اتخذت من شعار (صدق الناجيات بلا دليل)، وهو ما رأيته غير منطقي أبدًا، بل عبثية، ويتنافى مع أبسط قواعد التفكير حتى وإن كنت أعلم أن الرجال في (غالب) الأمر هم دائمًا المسيئين.
النشاط النسوي – في الغرب بصورة أكبر، ولكنه انتقل تباعًا كالآواني المستطرقة إلى عالمنا العربي – خاض معارك شرسة وقوية ضارية أمام العالم (لدفع) هذه الرؤية والقانون غير المسنون بأن نصدق النساء بأي شكل، ومضمون، وقصة؛ وأنه عندما تقول الضحية أنا ضحية فيجب تصديقها أولًا، ثم بعدها نذهب ونفّند الأمور.. ولكن ما غفلت عنه النسوية المتطرفة وأتباعها أن هناك توازنًا طبيعيًا للأشياء من منظور العدالة الشعبية والرسمية؛ التوازن المتمثل في الادعاء والإثبات.. التوازن الذي يعطي للمتهم حق البراءة إلى أن يُدان.. ولكن هيهات. فمرحبًا بك في عالم (الضغط الحقوقي) الذي يتمثل مجازًا في (الصراخ).
فالصراخ – مجازًا – تكنيك نسوي وأنثوي قديم قدم الأزل، وبعين عادلة: هو حق لكل ضحية في محاولة الحصول على الحق أو المساعدة، ولكن أليس من العدل والمنطق أن نجلب إلى الطاولة خيارًا آخر: ما الدليل أنه ليس هناك إدعاءات لتشويه الرجال ومحاولة ابتزازهم؟ أو الثأر منهم؟ أو ليس هناك احتمال (للكيدية) في كل الأمور حتى يثبت عكسها؟ كلا.. ليست الأمور تحسب هكذا في منطق النسوية المتطرفة.. فهن يردن فقط أن يكن الضحايا اللاتي يتعاطف معهن العالم، وليس الرجل، حتى وإن كان مظلوما وضحية كيد امراة. ألا يعد هذا بمثابة تطرف نسوي يريد أن يحتفظ بـ(امتيازاته) التي تتلخص في التصديق المطلق.. التعاطف المطلق من الآخرين.. اعتلاء كرسي المظلوم طيلة الوقت.. فلنفكر قليلًا، ولا نعد هذا الرأي (ذكورية سامة) يرغب الكاتب بها في قلب الحقائق.. فحقيقة الأمر أن حركات النسوية الحديثة تحولت إلى انتهاج متطرف – سواء بوعي أو بدون – لكونهن دائمًا على حق، ولا يمكنك أن تدينهن، وإلا انهالت السياط الوردية عليك.
فلماذا إذًا تضغط النسويات الآن لتصديق النساء بلا أي جدال؟ لماذا نشرت أكبر مجلات العالم المهتمة بالموضة والمرأة (فوج) مقال رأي لكاتبة تطرفت فيه – على خلفية أحداث محاكمة ديب وهيرد – وقالت: ألم يحن الوقت لنصدق آمبر هيرد؟ وذكرت في خاتمته نصًا: (ألم يحن الوقت لكي نصدق النساء؟ كل النساء؟) لمجرد التصديق ولا شيء آخر؛ قالت الكاتبة المتطرفة رأيها هذا بينما مال الرأي العام بأكمله – رجال ونساء – إلى تصديق رواية ديب، وتصديق أن هيرد مسيئة عنيفة تتآمر لتظهر كضحية (وهو الاتجاه الشعبي السائد الآن).
الذعر تولد عندما استشعرت بعض النسويات – والنسويين من الرجال أيضًا بالمناسبة – أن هذه المحاكمة – كمحاكمة رأي عام – لا تخدم قضيتهن أبدًا.. وقد تقلب أفكار (المقتنعين) بكون المرأة ضحية دائمًا وأبدًا.. وقد تُغير هذه الموجة من التعاطف مع الرجل آراء البعض للتحول إلى هذه المصيبة الكبرى: الرجال قد يكونون ضحايا أيضًا! وهذه كارثة كبرى لأناس يريدون الاحتفاظ دائمًا وأبدًا (بامتيازات) يرونها حقًا أبديًا مشروعًا مطلقًا لا يجب زعزعته؛ المرأة هي الضحية دائمًا.. نقطة.
تمامًا يبدو الأمر لي أشبه بجدال أن أي أقلية مضطهدة لا يوجد بين أفرادها أشخاص سيئون؟ فلا يوجد مجرم أسود؟ ألا يوجد شاذ عنصري؟ ألا يوجد متحول جنسي محتال أو فاسد الأخلاق؟ الأمر غير منطقي تمامًا. فالفصل بين الدفاع عن الأقليات، وإعمال المنطق، واستخدام كل قصة وقضية بظروفها وأدلتها وخلفيتها على حدة هو الأمر الطبيعي.. ولكن يتبدى لي أن المدافعين عن أي حقوق للأقليات بشكل عام يرتبطون في اعتقاداتهم وعقيدتهم أن الأمر (شِللي) جمعي.. أخذ الأمور كلها بالحكم الجمعي أسهل لهم في تمثيل ادعاءاتهم.. والتكاتف.. وحصد الدعم من الرأي العام. تفكير القطيع لا يسمح للمدافعين عن النسوية في حالتنا هذه أن يتركن (امتياز) أنهن أوجب بالتصديق دائمًا، وأنهن ملائكة لا يخطئن أبدًا.. وأن الرجل دائمًا وأبدًا هو من يسيء لهن، ويعنفهن، ويستغلهن، ويستعبدهن… إلخ.. الآن جاءت هذه المحاكمة الشعبية العلنية لعنة عليهن بحسب ما رَصدت شخصيًا على منصات التواصل.. وهنا بدأت مؤخرًا بعض المنصات الإعلامية الليبرالية مثل بيزنس إنسايدر، ونيوزويك، وفايس، وفاندوم واير، وغيرها من تكثيف نشر مواد إعلامية تحاول دفع دفة التعاطف مع جوني ديب باتجاه آمبر هيرد، وبشكل مبتذل ويائس لإمالة الدفة تجاه (المرأة)، وليس الرجل حتى وإن كان على حساب تجاهل الحقائق الواضحة بأن ديب كان بالفعل ضحية آمبر هيرد في التعنيف، والتلاعب، والإساءات الجسدية، والنفسية، وبدأت أصوات تحاول أن تقول إن ديب أيضًا سكير ومتعاط للمخدرات – وهذه حقيقة، لكنها لا تثبت أنه المسيء أو المُعنِفّ، وفي شخصيته اضطراب واضح وهذا قد يرجح أنه أساء لهيرد أيضًا.. ولكن للأسف لم تظهر الدلائل الواضحة كالتي قدمها ديب وفريق دفاعه: بدليل أن مؤشر التعاطف الشعبي مع ديب أعلى بكثير من طليقته.
وللإنصاف يجب أن أوضح أن الأمر ها لا يتعلق بالدفاع عن الرجال.. أو محاولة إثبات أن النساء كلهن متلاعبات بالفطرة. كلا؛ الأمر هنا – في رأيي الشخصي – محاولة لرصد التطرفات العقيدية والفكرية المدمجة – في العقل الباطن للوعي الجمعي لبعض النسويات – في آراء ومناهج غالبية النساء النسويات عامة – على الصعيد الشعبي والحقوقي أيضًا – ففكرة أن المرأة يجب دائمًا وأبدًا أن تكون هي الضحية، وهي الأولى بالتصديق أمر آراه عبثيًا غير عادل، ويُظهر بكل وضوح التحيز الواضح للجنس النسائي تحت أي ظرف وتحت أي ادعاء، وقد يجادل البعض بشأن هذا بكل عميانية وصلف؛ ويقول: نعم النساء عانين كثيرًا من عدم التصديق، أو القمع، الذكوري، أو التهميش الذكوري، أو أيًا كان ما يرتبط بأن الرجل أو الذكر هو الشيطان؛ ما لم يتبع منطق النساء في الاصطفاف مع «أي امراة» وكفى، وهنا فقط ترضى (الإلهات الغاضبات) عليه. هذا الأمر استقطابي متطرف لا يولد سوى مزيد من العناد، ومزيد من التطرف المضاد من الرجال.
يتفهم كل أفراد العالم المتحضر والتقدمي الوسطي أن المساواة قضية هامة؛ وتحتاج إلى اهتمام وتفهم ونضال؛ ولكن يبدو لي أن المؤشر الآن أحمر باتجاه اليسار، وهذا ما يسميه البعض وأنا منهم (تطرف غير منطقي) وانحياز واضح للطرف المخطيء – بالتلاعب والإســـاءة والتشويه- في قضية شرحت نفسها بكل بساطة وحصدت لمتابعيها توجه جديد بالفعل: الضرر وقع يا صديقتي المتطرفة الآن.. نعم العالم سيصدق الرجال أيضًا إذا أثبتوا انهم ضحايا كما سيصدق الضحايا النساء إذا «ثبت» أنهن كُن الضحايا حقًا، وللأسف أغُلِق كتاب التاريخ بعد تسجيل هذه النقطة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد