رحل عن عالمنا إلى دنيا الحق قبل أشهر قليلة، لكنني لم أعلم بوفاته إلا مؤخرًا لأن الخبر لم يغزُ الفضاء الإلكتروني وإعلامه كما يحدث مع المشاهير وإنما ورد في محيط ضيق ممن يعرفون للكبار وزنهم وقدرهم.

وأحزنني أن مثله لم تسجل له الحلقات أو تؤخذ شهادته على عصر كان مليئًا بالحوادث مخضبًا بدماء الأمة ومسمومًا بالكذب والبهتان.

وإن كان أصدقاء الأستاذ الكبير أو محبوه ومتابعوه قد رثوه أو تحدثوا عن إسهاماته في مجال الفكر والثقافة فإن مثله من عاش مجاهدًا بقلمه يترجم فكرًا، ويحيي وعيًا، ويعرّف بقضية ثم مات على ما عاش عليه لجدير أن يكتب عنه مرات ومرات وأن يقدم كنموذج للفكر الذي يبني ويعلي، الفكر الرائد الذي يترك أثرًا مضيئًا دون إعلان أو ضجيج، بل يلفت النظر إليه لصدقه وقيمته وتفوقه على سواه.

عرفت الكاتب والمفكر الإسلامي محمد يوسف عدس عن طريق مقالاته في مجلة المختار الإسلامي، فكان ممن يملؤون القلب والعقل بفكر واع ينبض بحب الأمة والانتماء لها.

ثم تابعت مقالاته في «المصريون» أيام كانت تتحدث بلسان المصريين، ثم عقب ثوراتنا المبتسرة تابعت ما كان يكتب على صفحته وتعليقاته وردوده على متابعيه وحواراته معهم، فرأيت كيف يكون المثقف حقًا، من لا يزيده علمه إلا تواضعًا وتراحمًا للناس، حيث تشعر أنك مع أب رحيم يثق بك ويقدر رأيك، لا أستاذ يعنفك لجهلك وسوء أدبك.

كان أكثر ما اشتهر به الكاتب والمفكر محمد يوسف عدس هو ترجمته لكتاب الإسلام بين الشرق والغرب لعلي عزت بيجوفيتش، وهو الكتاب الذي وصفه بأنه (قد أحدث موجة فكرية جديدة في مجرى الثقافة) ولهذا أقبل عليه الشباب الحريص على أمته المتعطش لفهم علاقة الشرق بالغرب ودور الإسلام في التقريب بينهما وقضية الثقافة والحضارة من منظور إسلامي.

كما ترجم كتابًا للشاعر الباكستاني محمد إقبال وكتب عن المفكر محمد أسد فكان هذا الاتجاه دليلًا على حرصه على كل ما ينفع الأمة ويوحد بينها ويظهر مفكريها ويعين على نهضتها، خاصة بعدما عاش مأساة البوسنة ورأى ضعف المسلمين عن نصرتهم فكان صاحب صوت في المعركة الإعلامية بإيراد الحقائق عنها وتوضيح الصورة الغائبة، ثم فعل الشيء نفسه حين تعرضت كوسوفا لما تعرضت له أختها، ثم كتب عن الشيشان وعرف بواقعها المرير كذلك.

كان حاضرًا إذن في قضايا المسلمين، وكان يسعى أن يكون صوتًا لمن لا تصل أصواتهم لمسامع إخوانهم فكان أداة وصل وتواصل بين جسد الأمة الواحد الذي تمزقه الطعنات وضربات كل من الخصوم والأبناء الجهلاء.

غير أن ذلك الاهتمام بقضايا المسلمين في بلادهم البعيدة لم يجعله بعيدًا عما يحدث في بلاده، فكان حاضرًا يتألم لإخوانه الذين عصفت بهم ريح الانقلاب الدامية على ثورة الحرية والأمل، وظل يتابع ويكتب حتى أيامه الأخيرة يعلل ما نحن فيه من هوان ويضع يده على الجرح رغبة منا في تطهيره لتفيق الأمة وتتابع دورها وأمانتها التي كلفت بها.

ورغم الغربة المكانية التي اختارها الكاتب والمفكر محمد يوسف بسبب ما آلت إليه أوطاننا العربية منذ منتصف القرن الماضي، إلا أن قلم المفكر محمد يوسف عدس – الذي قرأ وفهم وتعلم من مفكري الأمة وروادها فسار معهم على درب خلاصها، لم يتغرب يومًا ولم ينبهر بالحضارة المادية ومنتجاتها على عكس ما نشهده الآن من أقلام كانت قبل سنوات قليلة رموزًا يقتدي بها الشباب فإذا هم الآن أقزام تطؤها أقدام الطغاة.

يقول المفكر الراحل: مرور الزمن لا يطفئ جذوة الفكر المتألّق بل قد يزيده تألّقًا. ولأننا في زمن يتصدر فيه أدعياء العلم وأشباه المثقفين وتروج فيه بضاعة الخراصين، فنحن في أمس الحاجة لأن نقدر لأهل الفكر والعلم قدرهم ونقدمهم لناشئتنا حتى يدركوا أن لدينا من أصحاب الكلمة الرائدة والوعي والثقافة ما يحفظ لأمتنا قدرها بين العالمين ويسمح لها بالنهوض.

وهنا أختم برؤيته المبشرة بأن (إرادة المقاومة ينبوع متدفق كلما حفرت فيه زاد تدفقًا واندفاعًا) وبأنها طريق النصر القادم: (لا تزال أمام الأمة عذابات لا بد من خوضها على طريق الحرية والنصر. ولكن بشرط أن تستمر المقاومة ويستمر الصمود والتضحيات، وتتواصل جهود التغيير في الأنفس، وانتشال هذه الأمة من وهدة التخلّف والتّفرّق والاستبداد).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد