أعطوني 400 برلماني في يونيو، ودعونا نغير النظام سلميًّا.. هكذا صدح أردوغان في الأتراك، بيد أن الرياح أتت بما لم تشتهِ سفنه.

( 1 )

أسدل الستار على الانتخابات النيابية في تركيا والتي وصفت بأنها الأهم في التاريخ السياسي التركي المعاصر – باعتبار أن الواقع السياسي التركي سيصنف وفقًا لمرحلة ما قبل وما بعد تلك الانتخابات- حيث أسفرت عن فقدان حزب العدالة والتنمية أغلبيته المطلقة مكتفيًّا بحصد 42% من جملة الأصوات، وبما يوازي عددًا من المقاعد بلغ 260 مقعدًا، في حين برز الحصان الأسود في تلك الانتخابات ممثلًا في حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، والذي نجح في تجاوز نسبة 10% اللازمة للتمثيل النيابي حاصدًا 13% من الأصوات، وبما يوازي عددًا من المقاعد بلغ 78 مقعدًا مدشنًا بذلك نفسه كرقم صعب في الحياة السياسية التركية بعد عقود من التهميش.

( 2 )

أجريت تلك الانتخابات في ظروف محلية وإقليمية بالغة التعقيد؛ مما أضفى عليها اهتمامًا متزايدًا، فمحليًّا دخل العدالة والتنمية تلك الانتخابات ويبدو وكأنه قد أنهكته سنوات الحكم الطوال في ظل معارضة بائسة اختلفت في كل شيء واتفقت على إسقاط العدالة والتنمية، وهو ما تحقق ولو جزئيًّا، فضلًا عن فقدان الحزب ما يقارب السبعين من كوادره وفقًا للوائح داخلية حالت بينهم وبين الترشح، إضافة إلى تراجع في معدلات النمو الاقتصادي وتزايد الهواجس بشأن انحسار الحريات الشخصية بعد حزمة من الإجراءات اتخذت مؤخرًا في هذا السياق.

وإقليميًّا، بدت الأزمة السورية وخيارات أنقرة العسيرة في التعاطي معها، وشبهة التعاون مع تنظيم الدولة الإسلامية، والأزمة اليمنية، وتسوية علاقة تتهددها الأخطار من كل جانب مع طهران، فضلًا عن رسوخ قاعدة بعد الانقلاب في مصر مفادها أن أية استحقاقات انتخابية في المنطقة – إذا كانت ثمة انتخابات- باتت انعكاسًا لما تمر به المنطقة من تغيرات وتقلبات.

كل ذلك دفع العدالة والتنمية إلى خوض غمار انتخابات لم يكن في كامل الجاهزية واللياقة السياسية لها.. أو هكذا أريد له ذلك.

 

( 3 )

حين وصل حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا في نهاية عام 2002، كان على رأس أولوياته آنذاك إعادة هندسة الوضع السياسي في تركيا وفض الاشتباك بين المدني والعسكري لا سيما في بلد ذات سمعة رائجة في الانقلابات، فبدأ الحزب في تقليم أظافر المؤسسة العسكرية – ذات النفوذ الواسع في تركيا– عبر تعديلات دستورية أفضت في نهاية الأمر إلى السماح بإخضاع عناصر الجيش للمحاكمة حتى لو كانوا في الخدمة الفعلية، كما أتاحت محاكمة قادة انقلاب 1980 في سابقة كانت لها آثار بالغة على الحياة السياسية في تركيا، ثم توالت الضربات تباعًا.

كان من الواضح أن العدالة والتنمية حين شرع في خطواته تلك بدا محتميًّا بقاعدة شعبية واسعة هالها أمر نهضة اقتصادية على جميع الأصعدة أحدثها الحزب، فضلًا عن تعزيز الحرية والديمقراطية في البلاد، وتحولت تركيا إلى رقم صعب في الاقتصاد العالمي الأمر الذي انعكس بدوره على المواطن التركي ورفاهيته، بحيث أصبح المواطن ينظر للانقلاب العسكري باعتباره وعكة للرفاهية وعودة بتركيا إلى الوراء.
( 4 )

 

واصل العدالة والتنمية سطوته على الحكم في تركيا، وكشأن أي حزب حين تطول به الأيام في الحكم – دونما منافس أو بديل محتمل– يجنح للاستبداد أو يدفع إليه دفعًا، فالحزب أراد من هكذا انتخابات أن تفض الاشتباك بين صلاحيات الرئيس ورئيس الوزراء بحيث تتجه البلاد إلى النظام الرئاسي؛ مما يمثل صمام أمان دستوري يكفل للبلاد استقرارًا كالذي تحقق طيلة الثلاث عشرة سنة الماضية على حد زعم الحزب.

بدا في الأمر وجاهة، بيد أن المواطن التركي كان يتابع الموقف عن كثب فلم ترق له هكذا تبريرات. بحسب ما أعلنته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) فإن صحيفة فاينانشال تايمز نشرت مقالًا بعنوان (تمسك أردوغان بالسلطة أضعف تركيا على الساحة الدولية) حيث أشارت الصحيفة إلى أن أردوغان يدفع بتركيا إلى دولة استبدادية قمعية على حد وصف الصحيفة.

مما تجدر الإشارة إليه، أن البرلمان التركي – المنتهية ولايته– قد أقر صيغة مختصرة في مارس الماضي لما يعرف بقانون (الأمن الداخلي) والذي تضمن تدابير أساسية لتعزيز سلطات الشرطة وإطلاق يدها في احتجاز واعتقال المواطنين، بعد مداولات صاخبة ونقاشات ساخنة في البرلمان وصلت إلى حد التشابك بالأيدي، لا سيما وأن القانون تم إقراره بعد احتجاجات للأكراد خلفت 40 قتيلًا في أكتوبر الماضي وقبيل الانتخابات البرلمانية بأشهر قليلة؛ مما أثار شكوكًا حول المغزى من تمرير هكذا قوانين، الأمر الذي دفع منظمة العفو الدولية إلى وصف القانون باعتباره خطوة في سلسلة من التدابير لقمع المعارضة في تركيا.

 
ليس ذلك وفقط.. فقد أظهر تقرير الشفافية من موقع تويتر للنصف الثاني من عام 2014 أن 90% من جميع طلبات الحجب في جميع أنحاء العالم جاءت من الحكومة التركية، بالإضافة لهذا فقد تمت محاكمة أكثر من 70 شخصًا بتهمة إهانة رئيس الجمهورية – وهي جريمة تصل عقوبتها إلى الحبس أربع سنوات– منهم صحفيون ورسامو كاريكاتير ويافع يبلغ من العمر 16 عامًا.

( 5 )

وقف المواطن التركي مشدوهًا أمام هكذا تحولات طرأت على السلوك السياسي للعدالة والتنمية وزعيمهم المحبوب ولسان حاله يردد: (ماذا لو أعطيناهم ثقتنا المطلقة تلك المرة؟؟؟).

ذهب المواطن التركي إلى صندوق الانتخابات وشرر المنطقة يتصاعد من حوله، ذهب المواطن التركي إلى صندوق الانتخابات وتلك المقايضة السخيفة بين الاستقرار والحرية تطل برأسها، لكنه اتخذ القرار.

ربما يرى كثيرون أن العدالة والتنمية ذاق فوزًا بطعم الخسارة في تلك الانتخابات، إلا أنه بإمكان الحزب أن يحول هزيمته نصرًا شريطة أن يعيد قراءة المشهد استنادًا إلى أنه بالحرية وبالحرية فقط تأسر ثقة الشعوب. ربما خسر العدالة والتنمية.. لكن قطعًا فازت تركيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد