الله هو المهيمن على كل مجريات الأمور، وهو على كل شيء قدير.

 

هكذا هو التصور الإسلامي عن قدرة الله، فهو القادر الذي لا يغلبه غالب، ولا يعجزه قادر، وهو الذي ينزل كل شيء بقدر، فلا يجري أمر إلا بإرادته، وهو الذي يخطط لكل شيء، فلا مصادفة في كونه حتى في سقوط ورقة شجرة. فهو أمر مكتوب في كتابه يعلمه ويأتي به. وهو في ذلك حكيم لا يفعل شيئا عبثا، ولا يصدر عنه لهو أو لغو. وهذه الحكمة إما أن تكون جليّة يعلمها الإنسان ويعقلها، أو هي خفية لا يدركها الإنسان ويحار في تقديرها.

 

وفي إطار هذا التصور الإسلامي عن الله يطرح البعض تساؤلات تحتاج إلى إجابة تدور في أغلبها حول حقهم في معرفة الأسباب التي أجرى الله على إثرها أحكامه، وخصوصا عندما يفشل الإنسان في إدراك الحكمة الكامنة في ثنايا أحكام الله، أو أن يجد سببا منطقيا، والأنكى من ذلك أن يجد أن حكم الله يناقض منطق الإنسان وأحكامه.

 

بداية ألفت النظر إلى أن إجابتي هنا ليست إجابة بالنيابة عن الله، وأنها ليس لها سند شرعي (على الأقل في حدود علمي)، كما لا أدعي صحتها المطلقة، وإنما هي محاولة للتفكير لأجيب لنفسي قبل أن أجيب لغيري، وأسأل الله أن يهدينا إلى الحق.

 

أولا: من غرور الإنسان أو فضوله أن يعتقد أن من حقه أن يعرف الحكمة وراء كل ما يحدث في هذا الكون. ورغم أن ذلك كانت له فائدة للإنسان عندما دفعه ذلك للكشف عن أسرار الكون، وبالتالي التقدم العلمي والاكتشافات والاختراعات التي نشأت عن حاجته للمعرفة وكشف الأسرار؛ ولكن هذا الفضول يكون جهلا أو غرورا عندما يعتقد الإنسان أنه قادر على التجاوز إلى المطلق، والإطلاع على ما لا يملك أدواته، فإنما يجب على الإنسان أن يعي حدوده، فهو لا يملك سوى حواس خمسة هي التي يتحسس بها ما حوله في الكون ليجمع من خلالها المعلومات ثم يدخلها إلى عقله ليقوم بالتحليل والتركيب والاستنباط والاستقراء وغيرها من المهارات العقلية ليصل بها إلى العلم – أو بمعنى آخر الحكمة – فيعلم ويكتشف ويخترع.

 

ولكن، ماذا لو أراد الإنسان أن يعرف أمرا لا سبيل لحواسه وعقله إلى قياسه، كأن يتيقن حسيا من وجود الملائكة مثلا؟ هنا لا يستطيع الإنسان أن يعتمد على أدواته الحسية، ولا يكون أمامه سوى الاعتماد على بقية مصادر معرفته الأخرى ( كالحدس الروحي، والتجربة التأملية الصوفية، والوحي الإلهي، وكل هذا خاص بمن يؤمن بذلك )، وبالتالي تكون رغبة الإنسان في الإلمام بكل الأسرار هي رغبة متعالية لا تتناسب وقدرات الإنسان، وبالتالي لا يمكنه أن يتخيل عدم أهليته لإدراك هذه الحكمة، ومن الخطأ أن يحكم في حالة عدم إلمامه بحكمة الله في أفعاله أن فعل الله فاقد الحكمة، إذ أنه بذلك يدعي أنه قادر على تجاوز حدوده وحواسه وعقله ليحكم على حكمة الله التي هي متجاوزة ومطلقة، والتي لا تتناسب مع نسبية الإنسان.

 

ثانيا: أن الحائر حول حكمة الله يتناسى الفارق بين القضاء وبين القدر، حيث يعتقد البعض أن الكلمتين مترادفتين بلا فوارق جوهرية، في حين أنهما لفظتان متباينتان للغاية، فالقضاء، هو الأمر الذي حكم به الله في العموم، أما القدر فهو الحكم الناتج عن القوانين الطبيعية التي أوجدها الله لتسيير الحياة وفقا لقواعد عادلة تسري على الجميع سواء كانوا مؤمنين أو كافرين، وسواء كانوا ضعفاء أو أشداء. ورغم أن ذلك قد ينزل الابتلاءات على أبرياء وضعفاء؛ إلا أن استمرارية الحياة والعدالة فيها تقتضي أن يتساوى الجميع أمام هذه القوانين. فعندما تتوافر الأسباب التي ستؤدي إلى وقوع زلزال، فإن الزلزال سيقع، وستسقط المنازل التي تفرض قوانين الفيزياء عليها السقوط، سواء كان في هذه المنازل أبرياء أو عصاة، ولولا ذلك لانعدمت المنطقية في الأرض. في الوقت الذي جعل الله فيه في هذه القوانين دقة محايدة حتى يتسنى للإنسان السيطرة على الأرض واكتشاف أسرارها المعتمدة على العلم.

 

وبالطبع هنا يثور السؤال المعتاد، ومادام الله هو واضع القضاء، ومادام هو يعلم القدر مسبقا فلماذا يحاسبنا على ما كتبه علينا؟ والإجابة: أن الله هو خالق الزمن، وبالتالي هو الذي يتحكم في الزمن لا العكس، وبالتالي فإن الله – إن جاز التعبير – هو فوق الزمن ومهيمن عليه، وهذا يشبه إمساك إنسان لمجموعة من الصور الملتقطة له في أوقات مختلفة، فهو يراها جميعا في وقت واحد رغم حدوثها في أوقات مختلفة، وكذلك فهو يرى الأحداث كلها في لحظة واحدة رغم حدوثها – بالنسبة لنا – في أوقات مختلفة، وبالتالي فإنه يعلم ما يحدث في كل هذه الأوقات تاركا لنا القدرة على الفعل والاختيار.

 

ثالثا: من يبحث عن حكمة الله في أفعاله عليه أن يضع الدنيا في حجمها الحقيقي عند الله، فهي لا تساوي جناح بعوضة، وبالتالي إذا وقع فيها ما يؤدي إلى ظلم، أو بمعنى أدق، ما يخالف المنطق الإنساني لمعنى العدالة، فإن ذلك يحدث في دنيا لا قيمة لها يأتي بعدها تعويض من لا ذنب له فيما وقع.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد