الطرح في الأساس جاء به الصحافي السعودي المعروف «داوود الشريان» في عمود «أضعف الإيمان» لجريدة الحياة الذي أعيد نشره بتاريخ 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015. حيث تحدّث «الشريان» عن الفرق بين «أولاد البسة» بمعنى القطّة و«أولاد الكلب». حيث أشار إلى طريقة تربية القطط لأبنائها، حيث يكون هاجسها الأوّل «أمنيًا» بالأساس، فمتى أحسّت بالخطر نقلت صغارها إلى مكان آخر أكثر أمنًا. لا يهم كونه قذرًا، باردًا، صغيرًا.

في تجاوز لمفهوم الرفاهية وما عبّر عنه بـالخدمات خمس نجوم». على عكس الكلاب التي تأخذ بعين الاعتبار الجانب الأمني، لكنّها تُراعي الرفاهية والراحة، ثنائية مشروطة فلا أمن بدون راحة ولا راحة في غياب الأمن. أقام «الشريان» توصيف الجانب التربوي للقطط بـالإقامات الشعبية الرخيصة والرديئة على مستوى الخدمة والجودة مقارنًا إيّاها بنظيرتها لدى الكلاب حيث وصّفها بـالفنادق الفخمة، أين يُؤخذ بعين الاعتبار كلّ ما يجعل الحريف سعيدًا وراضٍ عن الأداء.

وانتهى الأستاذ «داوود الشريان» إلى اعتبار أنّ دول العالم الثالث بما فيهم الدول العربية تدعمُ من خلال سياستها تجاها شعوبها منهج القطط، مشيرًا إلى كل المشاكل الإجتماعية التي يعاني منها المواطن الذي ينتمي إلى هذه الربوع: الخدمة الصحية، التعليم، البنية التحتية، المنشأت، الخدمة الإدارية … على عكس دول العالم المتقدّم «الدول أوروبية» أُنموذجًا التي تعامل مواطنيها معاملة الكلاب لأبنائها (الأمن + الرفاهية).

انتهيتُ إلى أنّ دول العالم المتقدّم، أي أصحاب القرار والنفوذ والقوّة السياسية والعسكرية والاقتصادية والمعلوماتية قد عزّزت «عقلية القطط» لدى الشعوب النامية بجعل هاجسها الأوّل والأخير أمنيًّا بامتياز. لذلك عشنا في تونس كمثال حي على مدى 60 عامًا منذ الاستقلال إلى 2011 نظامًا بوليسيًا يقوم على ردع كل محاولات الاختلاف بتعلّة تهديد الأمن العام والتشكيل خطر على المجتمع. فقد تذوّق التونسيون لستة عقود مرارة اغتصاب حق التعبير. فمن يعصي يواجه «بالمتراك». حيث شهدت حركات التمرّد وحشية في الرّد عليها بالإعتقال والتعذيب في سراديب السجون. وقد شملت هذه الحملة الإسلاميين (حركة النهضة) واليساريين والقوميين.

الانتساب إلى هذه المجموعات يعتبرُ جرمًا وتعدٍ على القانون. على عكس الدول الأوروبيا فرنسا كمثال، نشاهد دوريًا عملية التبادل السلمي على السلطة من خلال صناديق الاقتراع، شفافية في المعاملة، برلمانٌ حرٌ ناقد إن حادت الدولة ومساندٌ إن أصابت. مواطنٌ يمارسُ حقّه الكوني في التعبير عن رأيه، يحترم حقّ غيره في التواجد، مؤمنٌ بالقانون حتى في غياب المراقبة، مُتجذّر في روح «المنهجية الكلائبية»، نسبة إلى الكلاب، آمنٌ في وطنه، متمتّعٌ بخدمة راقية، مُحترمٌ.

متى تتخلى دول العالم الثالث المتخلّفة عن سياسة القطط وتتبنّى منهجية الكلاب في التعامل مع أبنائها؟ متى سنصبحُ «أولاد كلب»؟ هل ستبقى المعادلة الأزلية قائمةً على الاستثناء الأمني فقط؟ هل يستحق المنتمي إلى هذ الدول لقب المواطن أم هو من رعية السلطان؟ هل ستشرق شمسٌ نرى فيها سلامًا اجتماعيًا لا تميّز ولا تمايُز؟ هل سيراعي المشغّلُ حقّ العامل إلى التغطية الصحية؟ هل ستترسّخ عقلية الجودة لدى «الشغيلة»؟ هل سيكون للاجتهاد جدوى؟

حلّ هذه الأسئلة مرهون بالتخلي عن «التقطّط» الملعون والاتجاه في سياسة رعاية الجودة وتقديس الإتقان، كلّ من مكانه، الكل مسؤول ومشارك في التنمية والإنتاج. حينها سنستحق عن جدارة لقب «أولاد كلب» ونسترد سيادة القرار في الشأن الداخلي المفقودة منذ أن نهجنا «بيداغوجيا القطط».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد