يُهيئ الله النّهايات، كما يفعل بالبدايات.

لم يكن قوله «ورفعنا لك ذكرك»، بلا إعداد، وإنّما يُعد الله من أراد له هذه المنزلة، سبع سنوات بدأناها بقلوب تذوب فرحًا لأجل تجربة الديموقراطية والحرية التي يُمكن أنْ تُطبق في بلادنا،لد لم تمر فيها السّنة الأولى، إلا وقد انقلب العسكر بدعم الصّهاينة وأذنابهم عليه.

اتفقنا على حكم مرسي في تلك السّنة أو اختلفنا، أعجبنا أم لم يعجبنا، كان لازما على جميع الأطراف في مصر أن تنتظر انتهاء فترة الحكم، كان لازما عليهم جميعا ألا يصمتوا أمام هذا الانقلاب، لكن أنّى للعبيد أنْ تموت من أجل الحُرية، ترك من ترك للمواجهة ومن استطاع الهروب هرب، سكوتا أو خروجا من مصر، وتركت السّاحة للظلم أنْ يحكم قبضته على كل حر فيها، على كل مفكر وعالم، وصاحب دعوة وأهل دين، وطالب علم، إنّما هي حملة اجتثاث لأهل العقول!

وها نحن  بعد ما حدث، صرنا نُفكّر ألف مرة قبل أنْ ننادي «بحرية شعوبنا».

فهذه الشّعوب بعد لم تذق طعم الحُرية، ولم تعرفها، ولم تُدافع عنها، بل ستسلمها في أول الطّريق.

كما فعلت مع الرئيس الشّهيد مرسي، وغيره ممن قتلهم الانقلاب، مرسي هذا الذي بكيناه، بكيناه بحرقة، بقلوب تشهق وأرواح تكاد تنفطر، جاء في أول انتخابات حُرة ونزيه، جاء يحمل رؤيا لرفعة شعبه ومنطقته، جاء بالحرية والديموقراطية والعزة ليس لشعبه فقط وإنّما لشعوب المنطقة.

يوم وقف مع غزة في 2012 ضد ضربات الاحتلال الصّهيوني الغاشم وفتح المعابر، وتضامن مع ضعفنا، شعر كُل حر في هذا العالم، بثمن الحُرية، تنفس كثيرون الصّعداء.

ويوم أبيدت رابعة، نزف كل حر على هذه الأرض، تزف تلك الحُرية التي تنفسها من قبل، وظل ينزف حتى 17 يونيو (حزيران) 2019 اليوم الذي ترجل فيه فارس هذه الحُرية، يوم انتصرت روحه على السّجان، وارتفعت لربها عاليًا، تشكو الظلم والقهر والحرمان.

رحل مُرسي الذي بكيناه، ولم نكن نبكي رحيل جسدٍ، ونحن نعلم أنّ كل بني آدم مصيره الرّحيل، ولكن بكينا الظّلم الذي ملأ هذا العالم، بكينا صمتنا وعجزنا وذلنا، بكينا الخنوع والخضوع لأعداء هذه الأمّة وعدم الوقوف لجانب الحق، رضينا أنّ نكون أذنابًا لمحتلنا ومغتصبنا، وصمتنا على السّجون التي غُيب فيها الشّرفاء من أبناء أمتنا، التي احتجز بها الأسود الذي ينافحون عن هذه الأمة، ولا يريدون لها إلا الرفعة والرّقي.

بكيناه ونحن نتمثل سيد قطب والبنا، والرنتيسي، وعمر المختار، نتمثل كل الذين قضوا نحبهم مُدافعين عن حقوق أمتنا!

بكينا لأننا نعلم أنّ الشهيد الرئيس لم ولن يكون آخر من ترسله السّجون للإعدام، اليوم مُرسي وغدا علماء غيره، وذنبهم أنّهم وقفوا مع القضايا العادلة لهذه الأمّة، وأرادوا رفعة شعوبهم، وتخليصها من التّبعية المقيتة للصهاينة، ومن تبعهم.

الجريمة التي ارتكبها مرسي أنّه وقف مع الحق الفلسطيني، والثّورة السورية، والمظلومين في كل بقاع الأرض، أنّه أراد لبلاده أنْ تنتج، أراد لها أن تصنع، أنْ تأكل مما تزرع، أراد تحرير الإنسان، وهذا ما لا يرضاه العبيد، هذا ما لا يرضاه أعداء هذه الأمّه فحرضوا عليه، وانقلبوا عليه، على مرأى من العالم الذي يدّعي دعم الحُرية والديمقراطية، وهذا كذب صريح، يدعم الحُرية، إذا كانت حُرية التعري، يدعم الديمقراطية إذا جاءت بأعداء الإسلام، يدعم حقوق الإنسان إذا تمردت امرأة على دينها.

أما حين يأتي دور الحرية التي تنادي بتحرير الإنسان، والعقل والوعي، تصم منظمات حقوق الإنسان آذانها، ويغلق العالم الغربي حواسا، ويبدأ بالانقلاب النّاعم من تحت الطاولات، ليضع في واجهة أمتنا من يكونون دمى يحركونهم كيفما شاءوا وأنّى أرادوا.

أما أصحاب العقول والإرادات فستغيبهم السّجون، ليحكم السّفهاء ويعربدوا، والنّاس من خشية الجوع في جوع، ومن رهبة السّجان في سجن!

إذا لم يصلح الإنسان العربي، يصلح عقله، ووعيه، ودينه، سيظل الظلم سائدا في دياره، وَيظل في خانة العبيد، حتى يُقدر الله لهذه الأمّة أمرًا رشيدًا!

محمد مرسي العياط، أول رئيس مصري شرعي منتخب يقضي في سجون الانقلاب شهيدا، والتّهمة رفعة بلاده، إلى رحمة الله وغفرانه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

أطفال الشوارع
شارك 3
منذ 4 أيام
حقوق إنسان
أعضاء بشرية للبيع حلال!
شارك 1
منذ 3 أسابيع
حقوق إنسان
المنبوذون من إسطنبول
شارك 1
حقوق إنسان
منذ 3 أسابيع
إبادة عمرانية تطال مئات الشقق السكنية
شارك 36
الاحتلال الإسرائيلي
منذ 3 أسابيع
استيقاظ أبي جهل
الربيع العربي
منذ 3 أسابيع