لم يزل القانون الأوروبي لحماية وخصوصية البيانات الذي أعلن عنه في عام 2016، والذي يتكون من 11 فصلًا متربعًا على عرش أهم قانون حماية بيانات حديث، ويتميز بوضع الفرد، وخصوصية بياناته وحمايته أولًا قبل مصلحة الشركات والجهات التي يتعامل معها المستخدم في الدول الأوروبية كان مواطنًا أو مقيمًا فيها، حتى أنها تحاسب الجهة في حال وصول بيانات المستخدم إلى دولة أخرى.

منذ إطلاق ذلك القانون والمستخدمون ينعمون بنعم عديدة أهمها إمكانية اكتشاف البيانات التي تعلمها الجهة أو البرمجية عن المستخدم، وطلب نسخة منها، وكذلك إمكانية حذف الحساب بشكل نهائي فيما كانت نصف التطبيقات تمنع حذف الحساب الشخصي المسجل، كما ساهم القانون في الحد من جمع البيانات غير المبررة، والتي لا تخدم المستخدم. كما أعطته حرية الاختيار في سبب مشاركة بياناته، كالعامل الأساسي لتلقي الخدمة؛ مثلًا الاشتراك في «واتساب»، التسجيل في موقع إلكتروني، شراء منتج «أونلاين». أو الأسباب الأخرى التسويقية التحليلية وغيرها. أما سابقًا فكان جمع البيانات لا حصر له، ومن دون اختيار المستخدم. فضلًا عن أن الجهة تعين مسؤولًا عن تنفيذ هذا القانون داخل الجهة والامتثال له بكافة الأشكال التقنية والقانونية.

سياسة «واتساب» التي أرهبت ملايين المستخدمين بغض النظر عن فحوى السياسة فهي لم تطل الاتحاد الأوروبي بكافة حذافيرها نظرًا للسياسة الصارمة لهذا القانون، وتمكنت السياسة الجبرية من الدول الغربية والعربية والشرقية لعدم وجود تشريع صارم.

وهنا السؤال: نحن في عام 2021 لماذا لا نجد تشريعا لحماية وخصوصية بياناتنا، يتطابق مع مبادئنا وقيمنا الأخلاقية؟ فما يتناسب مع سياسات أمريكا لم يتناسب مع سياسة أوروبا، وللعلم كثير من الدول الأوروبية تقدس مسألة الخصوصية، وذلك ينعكس على مجتمعنا المتحفظ على فكره ونشاطاته كيفما كانت، فكيف لنا نحن الذين نختلف أيضًا في مبادئنا وقيمنا أن نساير قوانين دول أخرى، أو لا نملك قانونًا من الأساس؟

بالطبع يوجد تأخر كبير في الدول العربية من ناحية قوانين الجرائم الإلكترونية والخصوصية والحماية للبيانات، والموضوع متشعب جدًا، وسأتحدث في مسألة الجرائم الإلكترونية بمقال آخر ولكن نركز حديثنا عن التشريعات المتعلقة بالشركات والجهات والخدمات والتطبيقات والمواقع.

لماذا قانون عربي؟

لأنه ليس لدينا قانون داخلي موحد، بالرغم من تقاربنا الثقافي، وبياناتك قد تنتقل من شخص لآخر، من جهة لأخرى، بسبب إيداعك لهاتفك ليتم إصلاحه، أو لاشتراكك في خدمة ما، أو لشرائك سلعة من متجر، من يضمن خصوصية بياناتك وحمايتها؟ لا أحد!

خصوصية صارمة بالأخص للنساء: ثقافتنا جدًا محافظة عندما يتعلق الأمر بالنساء، سواء بياناتهم الشخصية، أو صورهم الشخصية للحد من الاستخدام الخاطئ لها أو المزعج.

مشكلتنا الحالية مع بعض البرمجيات الغربية، ولكن الناس لا تدرك المشكلة والمعضلة الأكبر، وهي الشركات المحلية في الدول العربية.. كم من اتصال مجهول يأتيك للإعلان عن عقار أو منتج معين، البيانات يتم بيعها ومشاركتها ربما مجانًا بين الشركات والأصدقاء والموظفين إذا نحن انتبهنا إلى 10% من المشكلة الحقيقية فقط، وهي بعض الدول الغربية، وللعلم بعض الدول الغربية تعامل دول الخليج معاملة القانون الأوروبي وتبقى لدينا المشكلة في الداخل.

أ) لا  تستطيع الكشف عن بياناتك لدى الشركات في الدول العربية.
ب) لا تستطيع حذف بياناتك لدى الشركات في الدول العربية.
ج) لا تستطيع طلب منع التواصل لدى الشركات في الدول العربية.
د) لا تستطيع نقل ملف بياناتك من شركة إلى شركة داخل الدول العربية.
ه) لا يمكنك الاعتراض على مشاركة بياناتك في الشركات داخل الدول العربية.
و) لا توجد مراقبة لانتهاك البيانات، ولا يوجد قانون يلزم الشركات بالإفصاح عن الاختراق!

وهذا هو الهدف الأهم من مقالي، أن أخبركم أن المشكلة الداخلية أكبر بكثير من مشكلة مشاركة بياناتنا مع الدول الغربية، والتي في بعض الأحوال يمكننا طلب معاملة بياناتنا معاملة أوروبية، أو الاستغناء عن بعض الخدمات والالتحاق بخدمات أوروبية.

خلاصة القول: القانون يجب أن يعمم على الشركات التي تقع ضمن نطاق الدول العربية لحماية المواطنين والمقيمين داخليًا، ومن ثم عقد الاتفاقيات مع الجهات الأخرى الخارجية.

في اعتقادي الشخصي إنني آمل انطلاقة هذا القانون من الخليج العربي، أو المغرب العربي، فكل منهما يعد تكتلًا لدول عديدة لها ثقافة متقاربة جدًا، وأظن أن دولة الكويت قد تكون الانطلاقة الأولى نظرًا لحيوية مجلسها مجلس الأمة وسرعة استجابتهم للتشريعات الجديدة، ويبقى التحدي في التنفيذ، وتليها عمان بحكم نهضتها التقنية الأخيرة، وتليها سائر الدول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد