بهذه الكلمات والعبارات ختم الدكتور والإعلامي ناصر اللحام كلماته عن قطاع غزة، قطاع غزة الذي يعاني منذ 11 عامًا، وإلى اليوم من ويلات الحصار والحرب، قطاع غزة الذي كان خير مأوى وخير ملاذ، وقلب الضفة الغربية النابض، فكان به البحر، والميناء، والمطار، والمصانع، والمشاتل، والأسواق، وأشجار اللوز، والحمضيات، والخضروات، وأشجار التفاح، وأشجار الزيتون، والفواكه، وكل سبل ومقومات الحياة.

عند حديثي مع والد أحد أصدقائي الذي يقيم في مدينة الخليل، الذي كان يعمل هو وأخوه الأكبر في نقل الخضروات من قطاع غزة إلى أسواق الضفة الغربية، أخبرني أن عند وصول منتجات قطاع غزة إلى أسواق الضفة الغربية، يتوقف كل شيء في السوق إلى حين نفاد المنتجات من خضروات أو أسماك أو غيرهم، ثم يعود كل شيء إلى طبيعته من جديد، إشارة منه إلى الطلب الشديد على منتجات قطاع غزة وقتها، ويخبرني في هذه الأيام وبعد إغلاق الممر الآمن بين الضفة الغربية وقطاع غزة، تصل القليل من منتجات قطاع غزة إلى أسواق الضفة وعند ذكر البائع عن مصدر منتجه وعلى سبيل المثال من الخضار على أنه من قطاع غزة، سرعان ما كان ينفد.

قطاع غزة الذي كان يستقبل الضيوف والزوار، في الرحلات التي كانت قادمة إليه ليستمتعوا بجماله، يعاني اليوم من الحصار المتواصل منذ 11 عامًا إلى يومنا هذا، حصار أنهك الصغير قبل الكبير، والشاب قبل المسن، حصار شكل أعلى معدلات بطالة في العالم، حصار زاد من معدلات الفقر، حصار كسر ودمر أواصر الترابط والأخوة، حصار زاد من معدلات الطلاق، حصار دمر أحلام وآمال طلبة بخسارتهم منحهم الدراسية لعدم مجيئهم في الوقت المطلوب، ويعاني القطاع أيضًا من انقطاع متواصل للتيار الكهربائي، وإغلاق للمعابر، وإشاعات يومية بحرب جديدة على الأبواب، وبحر غير صالح للسباحة، وانهيار للوضع الاقتصادي، وتراكم الديون على التجار، نتيجة لعدم وجود حركة بيع وشراء في الأسواق، وحرمان للمواطنين من أبسط الحقوق الإنسانية، كل هذا وأكثر يعانيه السكان في هذا القطاع المسكين.

قطاع غزة اليوم مصانعه دمرت وأشجاره أحرقت بفعل الحروب الإسرائيلية الأخيرة، وبحره ملوث بمياه الصرف الصحي لعدم القدرة على معالجتها بسبب انقطاع التيار الكهربائي فيتم ضخها إلى البحر، ومساحة الصيد فيه قلصت، والحياة الاقتصادية شلت، وأقصى أحلام شبابه اليوم هجرة خارج أرض الوطن، أو فرصة عمل لخريج توفر له حياة كريمة، قطاع غزة الذي كان عندما تزوره تشتم فيه رائحة أشجار التفاح والحمضيات عن بعد، اليوم تنشر فيه رائحه اليأس والقهر بين أوساطه، تنتشر فيه رائحة الحزن والنقم، تنشر فيه رائحة الظلم والاضطهاد، ولسان حالهم يقول، ويستصرخ ويناشد الضمائر الحية كفى وألف كفى، فلم يعد باستطاعتنا تحمل المزيد، فيا ساسة رفقًا بغزة وأهلها، ويا أهل غزة ألم يحن الوقت بعد لتدقوا جدران الخزان!

ولكن عندما تذهب في رحلة إلى قطاع غزة، في هذه الأيام أي نعم لربما لم تجدها على ما كانت به من قبل، ولكني أجزم وأضمن لك، بأنك ستندهش من كرم أهلها، وعزة أنفسهم، فهذه العادات مـتأصلة فيهم، ولن تتغير مع مرور الزمان أو تغير المكان، فغزة التي سطرت وضربت على مر العقود أروع القصص في الصمود والتحدي، أنا متأكد بأنها سوف تلملم جراحها، وسوف تستنهض همتها، وتثبت لنا من جديد شموخها وعزها وجبروتها وسوف تعود بإرداتها الصلبة، أجمل من ذي قبل كما عهدناها على مر أحقاب التاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد