الدنيا دار مؤقتة لا دوام فيها ولا استقرار، فالبقاء لله وحده عز وجل، كل مفارقها، كل سيذوق جرعة الموت، فنحن في هذه الدنيا ضيوف والدار الحق هي الدار الآخرة. فكل ما في الدنيا هو متاع ولهو ولعب، وزائل. إذ لا يبقى إلا العمل الصالح والكلمة الطيبة والمواقف الشجاعة.

لكن ليس كل من فارقها سيذكر بين البشر وسيجد أحدا يترحم عليه، ليس كل من مات يخلد ذكره على الألسن، كل حسب عمله وما قدم للحياة. فالموت واحد صحيح لكن تختلف الطريقة كما تختف الذكرى.

هذا ما حصل مع د. مرسي عند موته اهتزت الأرض وتعالت التراحمات على روحه الطاهرة، وعلت الهتافات لكن بعد ماذا بعد أن قتل بالموت البطيء، بعد أن نسي في غيابات السجون ووراء القضبان لمدة ست سنوات، لا أحد يعلم ما ذاقه ولا أحد يبكي فراقه، إلا ذويه وأصحابه. لذلك خطر ببالي عدة تساؤلات أهمها : أين كان مناصروه عندما كان في السجن؟

بعد ماذا حصلت هذه الهتافات عند موته وكانت خامدة في حياته؟

لماذا عندما نخسر أبطالنا وأسودنا نقوم فنذكرهم؟

فخطر ببالي قول الشاعر: وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.

لقد أصبح حال أمتنا يبكي، بعد هيمنة الرقمنة والهاشتغات عليها، لقد أصبح كل يدلي بدلوه فيها وهو يجلس في غرفته المكيفة أو على أريكته المريحة، أو في أفخر المطاعم، أو على المقاهي، أو حتى في الشاطئ يتأمل الغروب. وغيره يموت في كل يوم آلاف المرات ويذوق من الظلم أمر الجرعات. ويدوس عليه القهرة والظلام بقدم الذل دون رحمة في الظلمات.

لقد فقدت مصر والأمة الإسلامية أسدا من أسودها، نسيه قومه أولا، والعالم العربي والإسلامي ثانيا. وعند موته تزعزع من أجله العالم الرقمي والافتراضي فقط لا غير. كأن الأجهزة هي من حست بفراقه وانتفضت لموته.

أليس مؤسفا أن يصيبنا هذا الحال؟ إلى متى سنخسر رجالنا ويغيب شجعاننا في قعر السجون والمعتقلات، ثم يموتون، عندها فقط يقومون بذكرهم وينعتونهم بأفخر الأسماء وأبهى العبارات.

لقد أصبح الناس يفتخرون ويتباهون بكلمات ليحصدوا كمية من اللايكات لا تعود عليهم بالنفع. فلو عدنا إلى زمن ما قبل التكنولوجيا لما وجدوها وأحسوا أنها مجرد إلكترونات لا ترى بالعين المجردة. أصبح الناس يطمحون للشهرة فقط بغض النظر عن الطريقة التي تجلبها إليهم، حتى وإن كان هذا على حساب شعور وكرامة غيرهم.

قضى د. محمد مرسي طيلة ست سنوات في السجن لا أحد يعلم ما أصابه من ظلم وقهر، حتى مات ولم يغثه أحد، لا أنصاره المزعمون والمنظمات ولا الجماعات التي هي مجرد أسماء فقط وشعارات.

كم سيتم ذكره بين السطور وفي البرامج والتلفاز، سينساه الناس فقط عند حدوث كارثة أخرى ليتم من خلالها ضجة إعلامية ورقمية، وحرب في الهاشتغات.

رسالتي لأنصار قضية معينة أو شخص مظلوم، ثوروا من أجله فقد سجن وابتعد عن أهله وحياته الطبيعية من أجلكم. من أجل حقكم الذي سلبتم منه.

لقد تحرر د. مرسي من سجن الحياة لينتقل لدار أفضل، فمات موتا مشرفا يحسد عليه. وكما قال أحد الصحافيين عبارة أعجبتني بقيت عالقة في ذهني «مرسي براءة ونحن مازلنا سجناء» فالدنيا حق أكبر سجن وكما قال عليه الصلاة والسلام «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».

رحم الله د. مرسي وأسكنه فسيح جنانه وتقبله شهيدا ورزق أهله وذويه الصبر على فراقه، وعوضنا برجل مثله ليعتق الأمة الإسلامية. وخلصنا الله من شرور هذه الرقمنة والعولمة التي قضت على كاحلنا، وأعاد مجدنا وعزنا بين الأمم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد