ستعلم يا ظلوم إذا التقينا .. غدًا عند الإله من الظلوم

أما والله إن الظلم شؤم .. وما زال المسيء هو الظلوم

إلى ديان يوم الدين نمضي .. وعند الله تجتمع الخصوم

ستعلم في الحساب إذا التقينا .. غدًا عند الإله من الملوم

عندما يكثر الظلم بين الناس، وعندما تمتلئ السجون بالمظلومين، وعندما ينتفش الظالم ويظن المعاونون له أن الدنيا قد راقت لهم، هنا يكاد كثير من المظلومين أن يفتنوا، فترى أهل المظلومين الذين ضاقت بهم الدنيا من طول الظلم يقولون إلى متى سيستمر هذا الظلم؟ ولماذا لا ينتقم الله من الظالمين؟ ومتى يفرج الله كرب المظلومين؟ وهنا أردت تأكيد ثلاث نقاط أراها من وجهة نظري مهمة.

أولًا: هلاك الظالم حتمي.. ولكن بميعاد يقدره الله

ذكرها الله تبارك وتعالى في قرآن يتلى إلى يوم الساعة «وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا» هذا وعد الله، والله لا يخلف وعده، فلا يوجد ظالم على مر التاريخ منذ آدم – عليه السلام- وحتى اليوم إلا وأهلكه الله، ولكن بقدر وموعد يقدره الله لحكمة، وليس شرطًا أن يكون ذلك في حياة المظلوم، بل إن كثيرًا من المظلومين ماتوا ولم يروا هلاك الظالمين، والله – عز وجل- يقول لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: «وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ»، أي يا محمد -صلى الله عليه وسلم- إما نرينك بعضًا مما وعدنا به الظالمين من هلاك في حياتك، أو نتوفينك فلا ترى ذلك في حياتك.

فهذه الآية تؤكد أن هلاك الظالم قد يراه المظلوم في حياته، أو يتوفاه الله ولا يراه، لكن الظالم هالك هالك لا محالة.

لقد ظلم فرعون بني إسرائيل، فأين ذهب فرعون؟ وماذا فعل الله به؟ لقد أهلكه الله، وجعل في هلاكه آية تتلى إلى يوم القيامة. وكل الأنبياء الذين حاولوا إصلاح قومهم وهدايتهم ماذا فعل الله بأقوامهم الظالمين، وكل حاكم ظالم على مر التاريخ ماذا فعل الله به.

إذن مسألة عقاب الله للظالم محسومة، ولكنها قد تكون في حياة المظلوم أو بعد وفاته، وهذا أمر يقدره الله – عز وجل- وحده، فلا يشترط أحد على الله.

ثانيًا: أكبر انتصار للمظلوم.. ثباته على الحق

هناك نوع من الانتصار للمظلوم يناله في حياته لا محالة، ألا وهو الثبات على الحق، فعدم تراجع المظلوم عن نصرة الحق وثباته، هو نصر من الله للمظلوم، وعقاب وهزيمة للظالم، لأن هدف المظلوم تحقق وهو الثبات، وهدف الظالم لم يتحقق وهو زعزعة أهل الحق عن مكانهم، فبلال ابن رباح مثلًا عندما كان يعذب في رمال صحراء مكة الساخنة كي يتراجع عن دينه، ثباته وعدم تراجعه انتصار، وعدم وصول من يعذبه إلى مبتغاه هزيمة.

ثالثًا: على المظلوم أن يبتكر في إزاحة الظالم

وقد يظن البعض من كلامي هذا أن على المظلوم أن يستسلم لقدره، وسواء عاش أو مات فأمر هلاك الظالم حتمي ومتروك لله، وما على المظلوم إلا الثبات وكفي، وهذا كلام يحتاج إلى توضيح.

فالثبات أمر أساسي ومطلوب لا محالة، ولكن البحث عن آليات لمحاولة هزيمة الظالم مع الثبات هو المطلوب، وهنا تتعدد الوسائل، فقد تكون بالحيلة، وقد تكون بالتفاوض لتحقيق مكاسب مؤقتة يحتاجها المظلوم ليقوى، وقد تكون أخرى، فعلى المظلوم أن يبتكر ويجتهد ويبدع في آليات التصدي للظالم، وبعد اللجوء إلى الله بالدعاء، فدعوة المظلوم سهم نافذ، وبعد حسن الأخذ بالأسباب والاجتهاد، وبعد ثبات المظلوم مع الفهم الجيد والوعى الجيد والإعداد الجيد، تكون عناية الله ونصره، وغير ذلك هو تقصير ونقص في أسباب الكمال والنصر، وصدق المتنبي:

ومن يجد الطريق إلى المعالى .. فلا يذر المطي بلا سنام

ولم أر في عيوب الناس عيبًا .. كنقص القادرين على التمام

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد