كثيرةٌ هي تصريحات بعض القيادات الفلسطينية التي تُبشِّر شعبها وأمتها أنَّ سنين المحتل على الأرض المباركة باتت معدودة، بل إنَّ بعضهم قد ذهب إلى أبعد من ذلك مُحددًا تواريخ مُعيّنة لزوال الاحتلال الإسرائيلي، فمنهم من قال 2022 كالقائد في حماس فتحي حمّاد، والباحث والداعية بسام جرار من القدس، ومنهم مَن قال 2027 كالشيخ الشهيد أحمد ياسين رحمه الله. فما مدى واقعية هذا الكلام؟

وصراحةً بحثتُ كثيرًا في هذا الموضوع منذ عدة سنوات، وقد أصدرتُ روايتي الأولى التي حملت اسم وعد الآخرة، وهو اسم المعركة التي سيزول فيها الكيان الغاصب.. ولكي تتضح الصورة، قررتُ أن أضع بين أيدي القُراء هذا المقال، علّه يحمل بعض الإجابات حول هذا الموضوع.

أول الأمر علينا أن نعلم أنَّ تحديد تاريخ مُعين لم ينبع من قاعدة فقهية ألبتّة، إنما هي اجتهادات واستشفاف قرآني، فمثلًا تحديد تاريخ 2022 تم عبر (حساب الجُمّل)، والكثير من المشايخ يرفضون هذه الطريقة في التعامل مع القرآن، وموضوع الجُمّل كبير وعميق، وبإمكان أي شخص مراجعة دروس الشيخ بسام جرار، وهو أحد المشايخ والدعاة الذين يقتنعون بهذه الطريقة.. وقد استشفَّ من سورة الإسراء، أنَّ عام 2022 هو عام زوال الاحتلال.

أمّا الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، فقد كانت له نظرة أخرى حين قال 2027، وقد صرّح بهذا الأمر في لقاء تلفزيوني قديم عبر قناة الجزيرة الفضائية، وننقل لكم نصًا ما قاله: (القوة في العالم لا تدوم لظالم.. إسرائيل بائدة في الربع الأول من القرن القادم، وبالتحديد 2027، لأنني أؤمن بالقرآن الكريم.. القرآن حدثنا أن الأجيال تتغير كل 40 سنة، في الأربعين الأولى كانت عندنا نكبة، في الأربعين الثانية انتفاضة ومواجهة وتحدٍ، في الأربعين الثالثة تكون النهاية إن شاء الله.. هذا استشفاف قرآني؛ ربنا عندما فرض على بني إسرائيل أن يتيهوا 40 عامًا، ليغير الجيل المريض، ويخرج الجيل المقاتل.. وجيل النكبة راح، وطلع جيل حجارة وقنابل، والجيل القادم جيل التحرير إذًا، رؤية الشيخ ياسين مبنية على قاعدة تغير الجيل كل 40 عامًا، وهذا أمر قطعي الثبوت.. لذا فهو الأقرب للعقل والمنطق.

كذلك ما روي، في الحديث النبوي: (فلسطين لا يُعمِّر فيها ظالم)؛ وإن كان في الحديث بعض الضعف، لكن يُستأنس به، والشواهد التاريخية تدل عليه، فالظالم لا يمكث 100 عام في الأرض المباركة (التعمير)، فيجب أن يكون وجوده أقل من هذه المدة.. كذلك مما يؤيد هذه الفرضيّة، أن الدين يُعز وينتصر برجل يُجدده كما في الحديث الصحيح: (إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا).

وعليه، فإنّهُ لا يمكن أن يدوم الاحتلال وأن يصل إلى 100 عام.

ونستشهد بما قاله الأعداء، وتحديدًا رئيس وزراء العدو حاليًا بنيامين نتنياهو قبل فترة زمنية وجيزة: (مملكة الحشمونائيم عاشت لمدة 80 سنة، وأنا أعمل لضمان اجتياز إسرائيل لهذا الجيل والوصول لـ100 سنة).. متخوفًا من ألا يصمد لأكثر من 80 عامًا، لكنه متيقن أنه لن يصمد بعد 100 عام!

وعد الآخرة

وينبغي الإشارة هنا إلى أمر غاية في الأهمية، وهو أنَّ كثيرًا من العوام يعتقدون أن حرب تحرير فلسطين التي نتحدث عنها، هي الحرب التي تسبق قيام الساعة، والتي ينطق فيها الحجر والشجر ويقول يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعال فاقتله.. وهذا اعتقاد خاطئ؛ فهذه حرب أخرى تكون في نهاية الزمان، أمّا وعد الآخرة فنحنُ مقبلون عليها، وفيها تُحرر الطائفة المنصورة أرض فلسطين، ويجوسون خلال الديار، ويُساء وجه اليهود شرَّ إساءة.

ونعود معًا لسورة الإسراء، في محاولة لاستشفاف ذلك:

(وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً).. هذا هو الوعد الأول، وقد تمّ في رأي جموع العلماء والمُفسرين في عهد نبوخذ نصّر.

(ثمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا)، يعود علو اليهود في الأرض، وسيطرتهم، ويصبحون قوة عسكرية واقتصادية كبيرة، ويكثر عددهم، ويزداد نفوذهم في العالم.. كما هم الآن، قوتهم العسكرية أضحت قوة نووية، ورجالهم الأكثر مالًا في العالم، ويسيطرون على الاقتصاد العالمي. كذلك تطبيعهم الرهيب مع الدول عامة، والدول العربية في الآونة الأخيرة خاصّة لهو أكبر دليل على زيادة نفوذهم في العالم.. وهذا العلو يسبق تمامًا انهيارهم!

(إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا)؛ وهُنا آية الوعد، وعد الآخرة، ففيها يُساء وجه اليهود، وتأتي مباشرة بعد علو اليهود في الأرض، ويدخل المجاهدون المسجد الأقصى، كما دخلوه في الوعد الأول، (كما دخلوه أول مرّة)؛ فإن رغبت في معرفة طريقة الدخول، عليكَ معرفة طريقة دخول نبوخذ نصّر في الوعد الأول.

(عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا)، بعد التحرير، وفي آخر الزمان، وبعد نزول النبي عيسى عليه السلام.. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ، حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ).

ومما يُدلل على ذلك، أنَّ الإمام المهدي وجيشه يغزو جزيرة العرب، وبلاد فارس، وبلاد الروم، والقسطنطينيّة، إلى هُنا لم ينزل إلى فلسطين؛ لأنها ستكون مُحررة، وذات حُكم إسلامي.. وبعد فتح القسطنطينية (إسطنبول) – وتُفتح دون قتال – ينزل الدجال، فيتبعه 70 ألف من يهود أصفهان، فتحدث الملاحم، ثم ينزل عيسى، ثم يُقاتل الجيش المسلم اليهود في فلسطين، ووقتئذ ينطق الشجر والحجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعال فاقتله.. ونلاحظ أن القرآن استخدم بعد الوعد الثاني (وعد الآخرة)، لفظ (وإن عدتم عدنا)، أي أنه بمجرد عودتكم إلى فلسطين، يعود وعد زوالكم وإساءة وجهكم، ولا يكون هنالك احتلال لفلسطين لفترة زمنية طويلة؛ فبمجرد دخولهم فلسطين، يتم قتالهم وإبادتهم؛ (وسأتحدث عن هذا الموضوع في الجزء الثاني بشيء من التفصيل، والأدلة، والتتابع الزمني).

وبناءً على ما سبق، فإنَّ تحرير فلسطين قادم بأيدي المجاهدين المخلصين، سواء بعد عام أو بعد 10 أعوام، المهم أنَّ الحدث قادم، وسيدخل المجاهدون المسجد الأقصى محررين رافعين راية العزة والكرامة في غضون أعوام معدودة، وأن كل إنسان من أبناء هذا الجيل سيقدر الله له العيش لمدة عقد من الزمن ستكتحل عيناه برؤية هذا المشهد العظيم.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد