متى يتحقق الحلم العربي؟

أوضاع مأساوية تضع الإنسان في البلدان العربية موضع التائه الحزين المتألم المقهور، المجبول بالأزمات والوجع المتراكم، هي حرب نفسية مدمرة للإنسان العربي، حرب على الحياة تختل فيها الطبيعة، وتنقلب فيها الموازين، وأصبحنا نعيش في غابة مزدحمة بألوان شتى من البؤس والمعاناة.

قد يبدو للبعض أن النزاعات المسلحة الدائرة في بعض البلدان العربية، برمتها هدفها إعادة ترسيم الحدود الجغرافية، والهيمنة على شعوبها، والاستيلاء على ثرواتها، أو فرض سياسات اقتصادية عالمية ما، أو حتى بناء شرق أوسط جديد كما تحدث بذلك الساسة والمسؤولون في أكثر من مناسبة، وهذا بإجماله صحيح، ولكن الهدف الواقعي والملموس الذي يحقق للأعداء وأذياله من الأدوات في بلداننا، على اختلاف مسمياتها، هو التفرقة ونشر الكراهية، ووأد القوة والطاقات في البلاد العربية، وأد لكل أشكال هذه القوة، بشرية كانت، أو فكرية، وسياسية، واقتصادية.

كشفت الأزمات والأحداث عن ضمائرنا، وعن رغبة الاستحواذ على الأشياء بالقوة، وصراع الوجود على هذه الأرض، إنها النزاعات والخلافات على الحياة التي تنغّص العيش الهنيء، وتنتكس السعادة، وتضيع أحلام الفقراء وآمال الأجيال المقهورة، ويخرج منها الظالم والقاهر متفوقًا، ويغنى الأغنياء على فقر الفقراء.

كنا نظن، أن بلاد العرب كلها واحدة، وأن كل بلد هو وطن ثانٍ للأخ العربي، تسكن تحت مسامات جلده الذاكرة والتاريخ والجغرافيا، يقف على ترابه وعلى بواطن سهوله وتموجاتها ومنعرجاتها، يقف بشموخ كجبالها الملمّعة بأمجاد تاريخ غابر لا حدود له، لكن حقيقة الواقع ليست كذلك لشدة الأسف!

لقد تغيّرت المفاهيم؛ فالأزمات تقتل الشعوب العربية بزحامها، كمن يضع مآسيه وحزنه الطويل على طاولة مستديرة ويتلذذ بإحصاء وشوم الطعنات، وبثور الأمراض، الذي تفنّن في رسمها ونقشها الأشقاء قبل الأصدقاء، والأصدقاء قبل الأعداء، يكشف عن الضياع والتيه وعن الهجرة والرحيل والغربة إلى المجهول ويردد بحرقة: بلاد العرب أوطاني، من الشام لبغداد ومن نجد إلى يمن، إلى مصر فتطوان.

تشتّتت الأوطان، والشعوب أصابها التيه، وضاع الحاضر والماضي، وفي كل يوم تتجدد مأساة النكسات وتعيدنا إلى أوجاع سنين رحلت، وتذكرنا بهزائمنا وفضائحنا، ونحن لم نتعلم من تجاربنا سوى الهزيمة الأبدية، وتنكّر الأخ لأخيه، كأننا لم نتعلم أن لنا إخوة آخرين في هذه البلاد.

فضحتنا الخلافات، وكشفت خيباتنا، وباتت شبحًا يطارد الجميع، وكابوسًا مريرًا يظهر ويختفي ما بين الفينة والأخرى، وظلامًا كالحًا يزداد عتمة كظلمة الليل، هذا كفيل بأن يشعرنا أنه من لم يذق طعم الحروب والنزاعات بين الأخوة، لم يذق حتى الآن معنى المعاناة بأصولها، إذا تحدث لا يجد أحدًا ينصت أو يسمع صرخته المكبوتة، ولا يجد فسحة أمل توحي له بأنه سيقيم مرتاحًا في هذه البلدان، إنه مثقل بالهموم ومسكون بالوحشة، تائه في مفازات الظلم والجهل والكراهية، يكاد لا يفقه شيئًا مما يدور حوله، كأنه نسي أمسه، ولا يعرف ماذا يخبئ الغد له.

الخلافات والنزاعات إن لم تجعلك قتيلًا فإنها ستقتلك وجعًا وقهرًا، وستحزنك وتؤرقك حتى تجعلك في خمول لا مثيل له، وتجعلك إلى سلالة الحزن تنتمي، إنها عزلة تامة عن السعادة، وبها ستكون في موقف الضعيف عديم الحيلة وناقص التدبير، التعساء الحقيقيون هم رجال مستنقع ووحل النزاعات، الناس جميعهم في ظل النزاعات والخلافات في مأساة، وهم صورة واضحة للشقاوة والتعاسة، وصدق من قال: النزاعات محنة الأمم وقبرها، وبها تُدفن وتندثر.

لن تكفي أبشع المصطلحات، وأسوأ التصورات لكي تعرّف النزاعات، فهي أشبه بسكرات الموت، بل كأسوأ حالات المرض والهلع والخوف، أنها تحمِّل الإنسان ما لا طاقة له بها، ومع كل ما قلناه وذكرناه، فلن نلوم النزاعات وليس بمقدرونا، ولكن يمكننا أن نلوم ناسجيها، ونلوم جانيها والمتسبب فيها، والمحدِث لها، والمُخطط والمدبر فيها، ونلوم صانعها ومنفذها.

في خضم هذه الزوبعة القاتمة لا هوية لأي شيء، الهوية الوحيدة هي هوية السلاح، والقهر، والقمع، والتربص، والتلصص، والانتقام، وسيادة اللصوص، والعنصرية البغيضة، وقهر المقهورين المسكنون بالوجع، يتغنون بالألم البشري المجيد، ويحلمون بوطن عربي واحد، يجمع شتات الأمة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

//
عرض التعليقات
تحميل المزيد