يُحكى أن رجلًا عجوزًا عاش في إحدى ولايات الصين استطاع البقاء على قيد الحياة من خلال احتفاظه بمجموعة من القردة لخدمته، ولذا كان يُسمى بسيد القرود، كان هذا الرجل العجوز يجمع القردة كل صباح، في ساحته ويأمر أكبرها أن يقودها إلى الجبال لجمع الفاكهة من الأشجار، بحيث يُقدم كل قرد منهم عُشر ما جمع إليه، وكان يعاقب كل قرد يتخلف عن ذلك بجلده دون رحمة، كانت معاناة القرود عظيمة، ولكن أيّهم لم يجرؤ على الشكوى، وفي أحد الأيام سأل قرد صغير الآخرين قائلًا: هل زرع السيد جميع أشجار الفاكهة؟ فأجابوه بأن لا، إنها تنمو وحدها! ثم تساءل القرد الصغير: ألا نستطيع أن نأخذ الفاكهة دون إذن العجوز؟ فأجابوه بأن نعم نستطيع. فقال الصغير: لم إذن نعتمد على العجوز؟ لماذا علينا أن نخدمه؟ فهمت القرود حينها مقصد الصغير، وفي نفس الليلة وعند ذهاب الرجل إلى النوم، قامت القردة بالخروج من أقفاصها، واستولت على الفاكهة التي كان قد خزنها العجوز، وأخذتها إلى الغابة، ولم تعد القردة إلى العجوز بعد ذلك أبدًا، وفي النهاية مات العجوز جوعًا.

تلك الأسطورة باختصار هي مُلخص ما حدث ويحدث بالقارةِ السمراء، ذلك السيد الأبيض الذي استعبد أهلها لسنواتٍ طويلة، والذي أُصيب بالكهولة فصار يتخبط يمنةً ويسرةً حتى صار ينافسه على تلك السيادة آخرين من الشرق، كما اجتاحت قروده موجة من التحولات التي تسعى للتحرر من قيود استعباده، لكن هذه المرة تحرر حقيقي، وليس شكليًا كما حدث في السابق، حيث تشهد دول القارة اليوم العديد من التفاعلات التي ربما تتأثر بالأوضاع الدولية والإقليمية.

على الساحة الدولية؛ في ظل عسكرة السياسة الأمريكية ولاسيما الأوروبية تجاه القارة بشكلٍ عام والمنطقة بشكلٍ خاص، والتي برزت في الأزمة الليبية مؤخرًا، يتنامى من ناحية أخرى النفوذ الاقتصادي الصيني الواضح، لاسيما في تمويل السدود في منطقة حوض النيل، والذي بدا في الأزمة بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة، وكذلك التواجد الأوروبي بمنطقة الساحل لتأمين الحدود بالاستعانة بقوى عربية وأفريقية.

أما على المستوى الإقليمي فهناك مجموعة أخرى من التفاعلات، فمن جهة تسعى كلٌ من تركيا وإيران والكيان الصهيوني لتقوية نفوذها في منطقة القرن الإفريقي كبوابة لها للداخل الإفريقي بجانب سعيها للتواجد في منطقة الساحل كذلك، ومن جهة أخرى تسعى كلٌ من الإمارات والسعودية لتقوية نفوذها في نفس المناطق على المستويين الأمني والاقتصادي وهو ما تؤكده مشاركتهما في تمويل القوة الأمنية لدول الساحل الإفريقي التي تقودها فرنسا والولايات المتحدة بالإضافة لدخول الإمارات مع قطر وتركيا في سباق الموانئ في القرن الإفريقي – خاصةً في جيبوتي والصومال وأرض الصومال والسودان – كما أنه كان لثورات الربيع العربي أثر كبير على التفاعلات في المنطقة؛ حيث أدّت مثلًا لتراجع الدور الليبي الكبير في القارة، كما أنه للتنافس الجزائري المغربي دور فاعل في القارة الأفريقية مع سعي المغرب لحل مشكلة الصحراء أثرًا على التعاون العربي الأفريقي سلبًا وإيجابًا.

كل تلك التفاعلات تؤكد على كهولة السيد القديم، وبروز وجوه جديدة تتنافس على موقع السيادة في القارة، لكن هذا الإحلال والتبديل، يتزامن معه وجود مجموعة من القردة الصغار التي انتبهت لحقيقة استعباد السيد العجوز لهم، والمبنية في الأساس على ضعفهم، ورضا آبائهم بهذا الاستبداد، فراحوا ينادون بضرورة التحرر، وترك السيد العجوز لمصيره. وهو الأمر الذي نراه جليًا في الموجات الثورية المتتالية في السودان والجزائر وما سبقهم من مثلها في تونس ومصر وليبيا وبوركينافاسو وإثيوبيا، والتي لا يمكن الحكم بانتهائها حتى الآن.

وهكذا فلا زال السجال قائمًا بين السيد الأبيض المسيطر والمضلل والمعذب لعبيده للوصول لمبتغاه من استنزاف خيرات بلادهم، وقروده السمراء القديمة التي تعايشت وتأقلمت مع هذا السيد ومعاملته السيئة لهم التي حسبوها حقه المكتسب، وجيل القرود الشابة الجديد الذي وعى لحقيقة وضع السيد الذي لا يملك حقًا في استعبادهم وامتلاك أرضهم، وراح يسعى هذا الجيل للخروج من ذلك القفص وتحطيم قيوده، وقيادة مصير بلاده والاستئثار بخيراتها وصناعة مستقبلها..

تُرى.. متى تتحرر القردة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد