ليــــسَ بِإِنْسَـــانٍ وَلَا عَاقِــلٍ                      مَنْ لَا يَعِي التَّارِيخَ فِي صَدْرِهْ

وَمَنْ وَعِيَ أَحْوَالَ مَنْ قَدْ مَضَى                      أَضَافَ أَعْمَـــارًا إِلَى عُمْــــرِهْ

في يوم من أيام الدراسة توجهت الى المكتبة المدرسية في أثناء فترة الفسحة، فوجدت كتاب تاريخٍ للدكتور علي الصلابي، يتحدث فيه عن السلطان عبد الحميد وعوامل سقوط الدولة العثمانية، فاستعرته على الفور بحكم مشاهدتي لمسلسل السلطان عبد الحميد وإعجابي به، فأعجبني الكتاب، وحينها لم أكن أقرأ الكتب، فبدأت بقراءة الكتب التاريخية والسير الذاتية وبعض الروايات التاريخية. ولعل الكثير منا يتساءل ما أهمية التاريخ؟ ولماذا تجب قراءته؟

أهمية التاريخ

أول ما أستدل به لأبين أهمية معرفة التاريخ هو خير الكلام وأصدق الحديث وهو كتاب الله القرآن، حيث قال {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (يوسف:111)،

فالقرآن هنا يلفت الانتباه إلى «العبرة التاريخية» وهي العبور من الحدث وعدم الوقوف عنده مليًّا بالانشغال في تفاصيله إلى الوقوف على جذوره، حتى نصل إلى إدراك أسباب الحادثة، ثم تطبيق تلك الحادثة على ما يشابهها من حوادث متكررة، والاستفادة منها في واقعنا المعاصر، بل في استشراف المستقبل أيضًا، وأنه ليس نَصًّا تاريخيًّا، وإن احتوى قصصًا تاريخية، ليس بقراءتها فقط ولكن لأخذ العبرة والاستفادة من هذه القصص والأحداث وذلك من إعجاز القرآن.

يقول المؤرخ المغربي أحمد بن خالد الناصري: «اعلم أن علم التاريخ من أجل العلوم قدرًا وأرفعها منزلة وذكرًا وأنفعها عائدة وذخرًا، وكفاه شرفًا أن الله تعالى شحن كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية بما أفحم به أكابر أهل الكتاب، وأتى من ذلك بما لم يكن لهم في ظن ولا حساب ثم لم يكتف تعالى بذلك حتى امتن به على نبيه الكريم وجعله من جملة ما أسداه إليه من الخير العميم فقال جل وعلاّ ﴿تلك القرى نقص عليك من أنبائها﴾، وقال ﴿وكلًّا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾، وقال ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾ وقد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كثيرًا ما يحدث أصحابه بأخبار الأمم الذين قبلهم، ويحكي من ذلك ما يشرح به صدورهم ويقوي إيمانهم ويؤكد فضلهم.

والتاريخ في رأيي هو مرآة المستقبل وهو الذي يظهر الحق والباطل، به تعرف عدوك، وبه تميز صديقك، به تُحل الأزمات والمعضلات، وبه تدرك عواقب الأمور ومجاريها، وبه نتجنب المصائب والمحن.

ويحارب التاريخ الإسلامي اليوم عن طريق وسائل متنوعة بالغزو الفكري، فيكثر التشويه في تاريخ الدولة العثمانية الآن مثلًا، ويكثر التشويه والاتهامات الباطلة للكثير من الخلفاء المسلمين مثل هارون الرشيد وسليمان القانوني وغيرهم، فيجب على الشاب المسلم معرفة التاريخ الصحيح للإسلام والدفاع عنه.

ولعلنا نأخذ العبرة من إخواننا المسلمين الأتراك فقد أبدعوا في الفخر بتاريخهم الإسلامي وبعرقهم التركي عن طريق مسلسلاتهم، حتى إن بعضهم يفتخر بكمال أتاتورك حتى أراد بعض العرب أن يصبح تركيًّا، فقد يظن أنه ليس للعرب تاريخ في الفتوحات والانتصارات والاكتشافات العلمية والكتب القيمة في شتى العلوم من الرياضيات وعلوم الاجتماع واللغة وغيرها، وهذا الجهل ناتج من عدم قراءة التاريخ وعدم التطلع إليه، ولعله في بعض الأحيان من تضليل المسلسلات للعرب، لذلك أوجه رسالة لكل قارئ بعد الانتهاء من قراءة هذه المقالة أن يقرأ شيئًا من التاريخ الأموي أو العباسي أو حتى العثماني. ولعل من أعظم كتب التاريخ وأنفعها هو كتاب «ماذا قدم المسلمون للعالم» للدكتور راغب السرجاني.

وفي هذه النقاط المرفقة منافع ومزايا دراسة التاريخ الإسلامي:

  • أخذ العبرة من السابقين ومعرفة أخطائهم لتجنبها والاستفادة مما قدموه.
  • الاقتداء بالأبطال والفاتحين الذين لهم أثر كبير في حياتنا.
  • معرفة السُّنن الكونيَّة ونهاية الظالم ونصر المظلوم، وأن دولة الباطل ساعة ودولة الحق حتى قيام الساعة.
  • معرفة الصديق من العدو، وتعلم مهارات العدو وطرق تفكيره، وأساليب قوته، ونقاط ضعفه.
  • يشحذ الهمم، ويبعث الروح من جديد، وفيه تنافس في الخير والصلاح والعطاء.
  • قضاء الوقت في قراءة النافع المفيد
  • زيادة وعي الأمة لتحقيق أهدافها.

كيفية قراءة التاريخ

تتعدد الآن مصادر المعلومات، فالكثير من المعلومات موجودة على الإنترنت وكتب التاريخ متوفرة على الإنترنت، ومن أحسن المواقع لقراءة الكتب هو موقع ARCHIVE.ORG   وأنصح بقراءة كتب علي الصلابي، وجهاد الترباني، وعلي الطنطاوي، وإن كنت لا تحب القراءة فهناك منصة كتاب الصوتي التي توفر الكثير من الكتب التاريخية للاستماع بشكل مجانٍ.

أختم بما قاله الدكتور راغب السرجاني في كتابه: «إنني آسف كثيرًا عندما أرى بعض الشباب المسلم يتوارى من القوم، لكي لا يُعرف أنه مسلم، وقد يحاول التشبه بالغربيين أو الشرقيين، ولو في لباسهم، أو لغاتهم، أو حتى ألعابهم ولهوهم، ويريد أن ينسلخ من جلده وأن يهرب من واقعه. آسف كثيرًا عندما أرى هذا الواقع المرير، وأدرك منذ الوهلة الأولى أن هؤلاء الشباب لا يعرفون شيئًا عن تاريخهم، ولم يقرؤوا صفحة عن حضارتهم ، وإلا لتبدل الحال ولتغير الوضع.

فمتى يقرأ العرب تاريخهم؟

إن المحبطين لا يُغيرون، والقانطين لا يُصلحون… ولن نعيد هذه الحضارة الذهبية إلا بنفس أبية، وروح معنوية عالية وعزة غير متكبرة وقوة غير باغية».

ومما زادني شـرفًا وتيهًا *** وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي *** وأن صيرت أحمد لي نبيًّا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد