عندما تصبحُ الفتاةُ في مرحلةِ العشرينِ من عُمرِها، تتوجهُ كلُ الأنظارِ إليها، يبدأُ نَقْدُ من حولِها، يعتقدُ المجتمعُ أنَّه قد بدأَ العدُ التنازلي، وأنَّ الفتاةَ إنْ لمْ تتزوجْ في أولِّ العشرينِ فإنَّ القطارَ سيفوتُها، يشرعُ كلُ شخصٍ بتكوينِ صورةٍ في مخيلتِه أنَّها ربَّما ليست على قدْرٍ من الجمالِ لتخطبَ، أو لربَّما لا أحدَ يطرقُ بابَها لتَتِمَّ خِطْبتها مثل باقي الفتياتِ، أو مِنَ الممكنِ أنْ يعتقدوا أنَّها تتدللُ وتطلبُ مواصفاتٍ ومميزاتٍ عاليةً قد لا تكونُ متوفرةً في أحدٍ. تبدأُ أسئلةُ الناسِ هل يأتي أحدُّهم عليكم؟! ولماذا لم تخطبْ حتى هذا الوقت؟! يبدأُ نقُّ الناسِ وتتعالى أصواتُ الهمسِ إنَّ فلانةً قد تمت خطبتها، وفلانةً قد تزوجت، وفلانةً قد أنجبت وأصبحَ أطفالُها في الابتدائي وكلهنَّ بمثلِ عمرك أو ربما أصغر منك سنًّا. ماذا تنتظرُ؟! أتنتظرُ فارسَ الأحلامِ الذي ليسَ موجودًا؟! يهمسُ أحدُهم أهلَها يريدونَ تَخْلِيلَها عندهم، لأنهم يشعرونَ أنها متميزةٌ أو أنهم يتوهمونَ أنها جميلةٌ. ماذا تنتظرُ كلَ صديقاتِها قد تزوجنَّ وهي ليست مثلهنَّ، قد تكون لا تستمعُ إلى قصصِ حبِّ الفتياتِ؛ لأنَّها لا تنجذبُ نحوَ هذه التفاهاتِ، مع أنَّها سعيدةٌ لهنَّ وتتمنى لهنَّ كلَ الخيرِ والهناءِ.

تتساءلُ لِمَ كل العالمِ لا يتركني وشأني، لمَ يرددونَ أن متى سنفرحُ بكِ؟! هي ليستْ رافضةً لفكرةِ الزواجِ، وتعلمُ علمَ اليقينِ أنَّ الزواجَ سنةُ الحياةِ، وأنَّه من دينِنا الحنيفِ، وأنَّها تُكملُ نصفَ دينِها إن تزوجتْ، ولا تتمنى أن تصبحَ عزباءَ طوالَ عمرِها، عندما ترى زوجينِ سعيدينِ تتمنى لهما الحياةَ السعيدةَ والرائعةَ، هي لا ترى ذلك عيبًا، أو أنَّ حياةَ العزوبيةِ أفضلُ، هي فقط تنظرُ إلى هذه الأمورِ بمنظورِها وبزاويتِها الخاصةِ. تنظرُ إلى أنَّ حياةَ العزوبيةِ ما هي إلا فرصةٌ بين يديها لتصنعَ عقلًا مختلفًا لا تنظرُ إلى أنَّ الزواج ما هو إلا فترةُ خطوبةٍ رائعةٍ وفستانٌ أبيضٍ جذابٍ، لا تنظرُ إلى أنَّها فترةُ علاجِ مشكلات البشرةِ والشعرِ لتصبحَ أكثرَ جاذبيةٍ بل لتخلقَ شخصيةً قادرةً على إنتاجِ جيلٍ نابضٍ بالحياةِ والصلاحِ والفلاحِ والهمةِ، يفخرُ ويتباهى به رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم). إنَّها الفترةُ الأنسبُ والأفضلُ لتتعلمَ فنَ صناعةِ جيلٍ مميزٍ قادرٍ على تحملِ المسؤوليةِ ينهضُ بالأمةِ ويُعلي قَدْرَها، ولِتصلحَ عيوبَ شخصيِتها.

مجتمعُنا ينظرُ إلى أنَّ الفرحةَ للفتاةِ تكمنُ بيومِ فرحِها، قد لا يفرحُ الناسُ بالتخرجِ من الجامعةِ بمعدلٍ عالٍ، أو بتحقيقِ هدفٍ كانت تُعاركُ الحياةَ من أجلِه، أو حتى بحصولِها على شهاداتِ الدراساتِ العليا، بقدرِ ما يفرحونَ لها بيومِ الفستانِ الأبيضِ.

كيفَ سَتخُوضُ بعلاقةٍ وهي لم تحققْ أدنى طموحاتِها، حتى لم تُنه تعليمَها الجامعي، لم تصلْ لِمَا ترنو له بَعْد، مُجتمعُنا لا يستوعبُ الفتاةَ الطموحَ، ينظرُ إلى الفتاةِ على أنَّها محلُ الجمالِ والمتعةِ فقط، قد لا يرى البعضُ أنَّ زوجتَه هي السببُ الرئيسُ في ذكاءِ أطفالِه، وفي نجاحاتِهم أيضًا. تُنهين فترةَ الجامعةِ على خيرٍ دونَ أيِّ علاقةٍ وتحصلينَ على ثمارِكِ وشهادتِك الجامعيةِ المتميزةِ، فتعلو الأصواتُ حولك «العُقبى عندما نفرحُ بكِ»، «العُقبى عندما يأتي العريسُ»، «العُقبى عند فرحتك الكبيرةِ»، أو حتَّى تلك العبارةِ التي رُبما تغيظُ كلَ الفتياتِ «الله يستر عليك!»، نعم نسألُ الله السترَ في الدنيا والآخرة، ولكنَّها تعني هنا غيَرَ ذلك، اجتهدتْ وثابرتْ لتسمعَ هذه العباراتِ وكأنَّها لم تصنع شيئًا جديدًا بالنسبةِ لهم، وكأنَّها تفوقت لتتزوجَ. تتساءلُ في نفسِها أينَ الكلمات التى تمنيتُ سماعَها «العقبى عندما تحصلينَ على الوظيفةِ الرائعةِ والشهاداتِ العليا»، «العقبى عند تحقيقِ كل أهدافِك»، ثم العريس.

لكنَّها لم تُنْصِت لتلك الأصواتِ المحبطة، واستمرتْ بتحقيقِ هدفٍ تلو الآخر، واصلت في إنجازِ أحلامِها المستحيلةِ كما قالوا لها.

أيتها الفتاة الرائعة إنكِ على حقٍ، استمري في تعليمك واثبُتي أمام كلِ المغرياتِ، وكل مواصفات المتقدمين لكِ، تحديهم، ادرسي، اجتهدي، ثابري، تميزي، ثم تزوجي. واجهي نظراتِهم وهمزاتِهم ولمزاتِهم الحقيرةِ، فأنتِ الأقوى، لا تنجري نحوَ ما يريدونه ليرضوا عنكِ ويحبوكِ، بل حققي كلَ ما ترنو إليه نفسكِ حتى ترضي أشدَّ الرضا عن نفسِك، لا تحتاجينَ حينها لهم ولا لِرضاهم؛ لأن رضا الناسِ غايةٌ لا تُدرك، وأيضاً لديك كيانك الخاص بك.

حين تُحققينَ كلَ شيء ستكونينَ أكثرَ استعدادًا للزواجِ والارتباطِ من شخصٍ يُقدِّرُكِ وأهدافِك التي حققتها ويسعى معك لمزيدٍ من الإنجازاتِ، وألا يكونَ الزواجُ عقبةً لتحقيقِ باقي طموحاتِك المستقبليةِ، يأخذُ بيدك ويكون سندَك في كلِ خطوةٍ، شخص يتمنى الخيرَ لكِ قبله، شخص مغرم بعقلكِ وشخصيتكِ وأفكاركِ وتميزكِ قبل جمالِك ولطافتِك ومشاعركِ، اكتملَ بكِ فاكتملتِ به. بعد أنْ أتممتِ نصفَك الأولَ جاء ليُكملَ نصفَك الآخرَ، وأصبحتُما واحدًا مع واحدةٍ لِتُكَوِّنُوا وحدةً واحدةً، كالمعادلةِ الكيمائيةِ عندما يرتبطُ الهيدروجين مع الأكسجين يشكلان جزيئَ الماءِ، تصبحانِ عقلًا وجسدًا وقلبًا واحدًا.

يجبُ أن تُكمِلَ الفتاةُ نصفَها الأولَ في البدايةِ؛ لتستعدَّ فيما بعد لإكمالِ نصفِها الآخرِ بالميثاقِ الغليظِ. تعلمي واستغلي هذه الفترة أولًا ثم تزوجي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد