تاريخنا الإسلامي ليس تاريخا ورديا خاليا من السقطات والزلات، ولا يجب أبدا أن نقدس الماضي بالطريقة التي تجعلنا نقف مكتوفي الأيدي أما أحد المستشرقين وهو يتناول مثالب الأمويين وتنكيلهم وقتلهم لبني العباس، ولا كيف قتل عبدالله بن الزبير رضي الله عنه, كل تلك الفقرات الهامة والخطيرة من تاريخنا لابد لها من إعادة قراءة نقدية، بدلا من أن نغض عنها الطرف متجاهلين تماما واقعية تلك الأحداث، وكيف بالأصل ندافع عن تاريخنا، ونحن أجهل الناس به، وثقافتنا التاريخية لاترتقي للقدر الذي يجب أن تكون عليه.

التاريخ ليس ناموسا مقدسا، بل هو أفعال من فعل البشر، يصيبون ويخطئون، فما بين تصوير سلبيات التاريخ الإسلامي وجعلها صورة معنونة له، وبين التقديس، وجعله نموذجا حرفيا يجب إعادته بين هذا وذاك يمكن أن تكمن الحقيقة، الحقيقة البعيدة عن التشويه، والمبالغة في التقديس, إن سقوطنا عدة مرات في التاريخ، كان له أسباب، بدأت هذه الأسباب في عهد الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ عندما خالف الرماه أوامره ونظروا إلي الغنيمة فكان ما جرى!

والعجيب أن هذا السبب كان أيضا السبب في هزيمتنا في آخر فتوحاتنا في أوروبا، حيث المدينة الفرنسية بواتييه، التي استضافت آخر وجه إسلامي يغزو أوروبا عبد الرحمن الغافقي، هُزم المسلمون بسبب الغنيمة، بسبب الأموال، وخوفهم على الغنائم التي ضموها أثناء رحلتهم الجهادية الطويلة فكانت الهزيمة أيضا. وإذا أخذنا دول الخلافة الإسلامية المتعددة ورأينا كيف سقطت أعتقد سنضحك كثيرا على أوجاعنا!

1-الدولة الأموية

دولة الفتوحات الاسلامية التي تمددت وتوسعت في مشارق الأرض، وانتشر الاسلام في الصين والهند والسند وبلاد ماوراء النهر، وقضت على ثورات الفرس وبخارى وسمرقند ومرو، وفي الغرب حيث فتحت الأندلس أعظم فتوحات المسلمين وقتها. هذه الإنجازات الجليلة وأكثر، كيف سقطت إذن صاحبة هذه الإنجازات؟ الحقيقة أن هناك قاعدة ينبغي إدراكها، وهي أن “الحضارة عندما تنفصل جسدها عن رأسها لا يمكن أن تكون قابلة للبقاء”، عبد الحليم عويس.

تعددت وتداخلت أسباب سقوط الخلافة الأموية، وما حدث يدعو حقيقة إلى التأمل والتفكر، فالأمويون وهم طبقة عربية خالصة تميزوا بعروبتهم وجعلوها مصدر فخرهم وتميزهم عن باقي أصناف المجتمع الإسلامي، وتم تفضيل أي عنصر عربي على العناصر الخزي دون النظر إلى كفاءته أو مدى قدرته، مما أثار سخط الأجناس الأخرى غير العربية، وبدأوا يشعروا وكأن الجاهلية المقيتة تطل بأذنابها مرة أخرى على المجتمع الإسلامي، كل هذا والخلفاء متناسين تماما قول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوي”.

التنكيل بالخصوم كان سببا آخر لسقوط الأمويون؛ فمحاربة الأفكار بالقتل والإرهاب والمطاردة يجعل هذه الأفكار أكثر شراسة وعدوانية، ويجعلها تقع فريسة سهلة لنظرية التنظيم السري العنفواني، فمطاردة العباسيين في كل مكان وقتلهم جعل منهم تنظيما يعد أدق تنظيم سري عرفه التاريخ الإسلامي، ووجد هذا النظام أرضا خصبة لإنشائه، هي الأرض التي زرعها الأمويون بتخليهم عن روح الإسلام الحقيقية.

2- الدولة العباسية

بسقوط الدولة الأموية بدأت مرحلة جديدة من التاريخ الإسلامي، بل بابا كامل من أبواب تاريخنا تكاملت له البداية والعقدة والنهاية, خمسة قرون وأكثر جعلت العالم ينحني لتلك الدولة العظيمة، فالعلوم والفنون اإاسلامية بدأت عصرا من التقدم في ظل هذه الدولة، ولكن لأن أحدا لم يقرأ التاريخ وقع العباسيون في نفس أخطاء سالفيهم، فكانت سياسة التنكيل بالأمويين ومطاردتهم، بل القضاء على بني العمومة أصحاب نفس التوجه، وهم العلويون، وبدأ العباسيون في خلق عدو داخلي أنهك المجتمع الإسلامي بالثورات والفتن والحركات الاستقلالية.

وبدلا من أن يعين الخلفاء العباسيون أصحاب الكفاءات بدأت سياسة التمييز الفارسي والتركي، وبدت العناصر غير العربية هي المتحكمة في تسيير شئون الخلافة، بل في تعيين خليفة، وعزل خليفة، حتى سمي العصر العباسي الأخير بعصر نفوذ الأتراك، وانتشر التسيب والفجور في بلاط الخلفاء، وتم البعد عن تعاليم الدين، فكانت النهاية الطبيعية لهذه الدولة هو الموت، وجاءت النهاية الأليمة علي يد هولاكو التتري، وبتر الخلافة العباسية نهائيا، أنهاها؛ لأنها لم تحترم وجودها، ولم تلتزم المعايير والشروط الحتمية لبقاء الخلافة الإسلامية.

فالناظر في تاريخنا يرى حلقات السقوط الكثيرة، فالمماليك أبطال عين جالوت يسقطون، والموحدون والمرابطون يسقطون، وبنو حماد في الجزائر يسقطون، وصقلية الإسلامية تسقط، والأندلس الغصن الرطيب تسقط، وفي نهايتها مقولة بالغة الأسى قالتها والدة عبدالله الصغير لابنها آخر حكام غرناطة عندما وقف باكيا يودع غرناطة: “ابك كالنساء على ملك لم تحافظ عليه كالرجال” , ما أوجع الهزيمة وما أوجع السقوط! فترات مزهرة ودول مشرقة أضاءت دروب العالم، في النهاية تسقط؛ لأنها سنة الله في الأرض: (وتلك الأيام ندوالها بين الناس)، أمة لا تعتبر بماضيها، ولم تعره الاهتمام، فحق لها أن تسقط في هوة المتخلفين حضاريا.

واختتمت آخر حلقات الأوجاع بسقوط الرجل الأوروبي المريض الخلافة العثمانية التي كانت ستارا للعالم الإسلامي لمدة خمسة قرون، لكنها كالعادة لم تلتفت لأخواتها السابقين، وتنازلت عن تطبيق روح الإسلام الحقيقي بعيدا عن التعصب الزائف، والتسيب القاتل. وبسقوط آخر خلافة أصبح العالم الإسلامي فريسة سهلة لدول أوروبا المستعمرة، التي سارعت في تقاسم التركة التي تركها الرجل العثماني.

ولكن معلمنا التاريخ ذو الألف وأربعمائة سنة يخبرنا أن تلك الأمة تمرض، لكن لن تموت، ووضع لنا الشروط التي نستخدمها إذا أردنا الصحوة مرة أخرى، ففي طياته العبر والدروس والأوجاع ، ولكن متى نتعلم من تاريخنا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد