لقد تعلمت أن:

“تعلمت أن كل نفس ذائقة الموت إلا أن الحياة لا تتذوقها إلا بعض الأنفس”.

هى عبارة قرأتها بأكثر من صيغة مرات ومرات عديدة بل أكاد أجزم أن جميعنا قد مرت تلك العبارة عليه ولو مرة . فى كل مرة كنت أقرئها كانت تستوقفنى لدقائق افكر فيها كيف لا نحيا جميعًا!

عزيزي القارئ قبل أن أجيبك على سؤالك كيف أن أغلبنا إن لم يكن جميعنا ليس حيًا بالرغم من كونه يستنشق الهواء ويسير كل يوم في الطرقات ويلقى الناس ويلقونه دعنى بدايةً أستعرض معك بعضًا من تلك المواقف التي نراها كل يوم فى حياتنا .

لنبدأ بالمرحلة السنية الصغرى مرحلة الطفل ذلك الكائن الذي تنتهك حقوقه الإنسانية كلها في بلادنا، عندما يذهب الطفل للمدرسة ليقضى فيها حوالى 7 ساعات ثم يذهب إلى دروس خصوصية ليقضي فيها بقية اليوم ويعود أمامه كل تلك الواجبات المنزلية التي يتوجب عليه قضاؤها وإلا فإن ما ينتظره هي عصا لا يتحملها الأستاذ نفسه إلى جانب ذلك التوبيخ والإهانات التي تصيب أغلب الأطفال بمشاكل نفسية بدلاً من أن يتم تشجيعهم، حسنًا، وما علاقة هذا بكوننا غير أحياء؟!

سأخبرك، هل تعلم مدى استفادة “أذكى” طفل فى العالم من كل هذه الساعات الدراسية التي تتخطى احتمال بشري لليوم الواحد! إنها تكاد تقارب الصفر فهو في 90% من المرحلة التعليمية وبعد أن يتعلم أساسيات بعض العلوم بطريقة نظرية بحتة لا تسمن ولا تغني من جوع يصير هائمًا بين المدرسة والدروس لا يدرى ما فائدة ما يدرسه ولا يفهمه وعندما يسأل فإن 90% من الوقت يسمع كلمة “هيا كدا احفظها زي ماهيا” هل أينشتين عندما درس قوانينه وحاول إثباتها للعالم وتحدى قوانين نيوتين خرج عليهم فقال(هيا كدا!!) حسنـًا لو كان الأمر كذلك لحصدت عدة جوائز كأوسكار ونوبل ولا تسألني عن العلاقة بينهم فـ(هيا كدا).

وعندما يشكو المسكين ويقول إنه مل وسأم من “الدح ليلاً ونهاراً ” يسمع جملة “معليش تحامل على نفسك بضع أعوام حتى تصل لكلية قمة ثم ستأتيك الراحة والأموال باحثة عنك” وليتهم صدقوا.

يظل المسكين على حاله حتى تمضى أيام الثانوية العامة ولنفترض هنا أفضل الحالات من وجهة نظر الشعب المصرى أن المسكين دخل ما يسمونه كلية “قمة “، هذا وإن كانت تلك الكلية هي مجاله الذي يحبه وليس شيئًا آخر تحامل على نفسه فيه ليرضي أحدًا أو لأنها كلية قمة ستفتح له أبواب العرائس والوظائف والحسابات المصرفية على مصراعيها .

يصل هذا بنا للمرحلة السنية الثانية “مرحلة الطالب الجامعي” يدخل الطالب الجامعي كلية ” قمة ” وهي كلية عملية يفترض به هنا أن يجد إجابات لأسئلته العديدة التي كان يجد عليها إجابة “هيا كدا احفظها” كما أنه يعتقد ويظن أنه سيجد المختبرات والمعامل والأبحاث، ولكن هيهات هيهات، يجد الأمر كله ثانوية عامة مستوى الوحش؛ فهو هنا عليه أن يذاكر بلغة أخرى موادًا حجم المادة منها كحجم مواد الثانوية العامة كلها فى بعض الأحيان، وإذا أراد فهم شيء يجد الإجابة نفسها التي وجدها قبلاً، وتصل نسبة استفادته من الجامعة إلى ما هو أدنى من الثانوية العامة، ويصاب صاحبنا بالإحباط ليضيء ذلك المصباح البعيد أمام عينيه ويأتى الأمل المشرق، إنه “التعليم الأونلاين -MOOCs ” وهنا يكون أمام اختيارين، أن يفعل ما يحبه ويتعلم ويفهم ويبدأ عملية تعليم ذاتي أو أن يستمع لجملة “معليش تحامل على نفسك واحصل على شهادتك أولاً حتى تستطيع الزواج ونقول إن ابننا مهندس”،  فصارت حياته “المهندس جه المهندس راح” أجل سيدى فنحن فى بلد “نتجوز فيها بالشهادة ونعمل فيها بالحب”، حتى يتخرج ولكن هل هو كان حقـًا يحتاج الشهادة! ألا يوجد ذلك الاحتمال أن يكون شخصًا ناجحًا من دونها، بل ربما أحد العظماء؟ هل احتاج بيل جيتس، مارك زغرب أو ستيف جوبز لشهادتهم! بالرغم من أنهم كانوا يدرسون في جامعات تقدم علمًا حقيقيًا مقارنة بما ندرسه نحن؟! رجاءً لا تغضب وتستنكر عزيزي القارئ، كيف لا يحتاج الشهادة، نحن فقط نحب اتباع التيار لأنه آمن ومريح وفي حالة الفشل فجميعنا فشلنا، فأين الضير؟ ولكن هل هذا المبدأ حقـًا صحيح وهل يعني أننا أحياء أم أننا صرنا نسخـًا وفقط.

حسنا لن أطيل وأتحدث في كل مواقف حياتنا، لكنك ستجد أنك في باقي أمور حياتك دراسية كانت أم غيرها تجد نفسك تؤجل ما تريد وتفعل ما لا تريد، تعمل وظيفة لا تحبها وتقول بعد فترة ما من الزمن سأعمل ما أحبه سأتحامل على نفسي اليوم وغدًا سأصلي الغد سأسافر رحلة لأروح عن نفسي العام القادم، وتجد أمورك كلها تتأجل وتتأجل ويمضي عمرك يا سيدى كما يمضي عمرنا جميعًا إلى فناء.

والآن يا سيدى أخبرني، هل فهمت ما تعنيه جملة “تعلمت أن كل نفس ذائقة الموت إلا أن الحياة لا تتذوقها إلا بعض الأنفس”؟ فكيف نتذوق الحياة ونحن نترك كل ما فيه حياة ونتحامل على أنفسنا ونفعل ما ليس لنا فيه سعادة أو رغبة أو حتى منفعة حقيقية، فقط لأن هذه الحياة التي يحياها الجميع حقـًا؟ ولكن هل الجميع أحياء؟!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

MOOCs, تعلم, علم
عرض التعليقات
تحميل المزيد