مدخل

من المشهور عن النساء أنهن كثيرات الكلام، تضج المجالس بأحاديثهن، يشتكي الرجال من ثرثارتهن، وربما ابتعدوا عن البيت لساعات؛ هربًا من لسان نسائهن الذي ما يلامس مسامعهم حتى يعتصرها كثعبان أفريقي، ورغم هذا الخوف إلا أنهم يكرهون صمتهن حد الخوف!

متى تصمت المرأة؟

صمت المرأة أداة فعالة للتواصل مع الآخر:

قالت مجلة «فوفوكا» البرازيلية التي تعنى بشؤون المرأة والمجتمع بأن طبيعة المرأة هي حب الكلام، وطرح الأسئلة، والاستفسار عن كل صغيرة وكبيرة، ولذلك فإن الصمت يعتبر غريبًا على المرأة في كثير من الأحيان، أو بالأحرى فإن الرجل يجد الصمت صفة دخيلة على المرأة. فالرجل هو الذي يصمت، وهو الذي يجعل المرأة تشعر بالغضب من هذا الصمت، ولكنها تقبله، ولكن في المقابل فإن الرجل إذا تحدث ووجد المرأة صامتة فإن دقات قلبه تتسارع، ويبدأ نوع من الخوف يخيم عليه؛ لأنه لا يقبل صمت المرأة إن كان هو المتحدث.

وأضافت المجلة في مقال كتبته آنا ماريا جيزوس «36 عامًا» الأخصائية بعلم الاجتماع، والمحاضرة في جامعة «يونيبان» البرازيلية في مدينة ساو باولو، بأن صمت المرأة قد يكون الرد الوحيد على توبيخات لا معنى لها من الرجل؛ لأن رد من جانبها قد يعقد الخلاف، ويزيد من حدة الانتقادات التي يوجهها الزوج لزوجته.

وتابعت تقول إنه على الرغم من أن هذا الصمت يغيظ الرجل في كثير من الأحيان، فإن السكوت قد يعني شيئين بالنسبة للرجل، إما أن المرأة قبلت توبيخاته وانتقاداته، أو أنها صمتت لتفادي تأزيم الموقف، وكلا الأمرين يعتبر انتصارًا بالنسبة للرجل. وفي هذه الحالة فإن صمت المرأة قد يمثل أداة فعالة للتواصل مع زوجها، وتفادي ما هو أسوأ.

صمت المرأة محاولة لفهم الآخر بشكل أفضل:

قالت «آنا ماريا» إن صمت المرأة أمام الرجل في كثير من المواقف يعتبر محاولة لفهمه؛ لأن الاستماع للآخر والتأمل في شخصيته يساعدان على فهمه بشكل أفضل. وأضافت بأنه لذلك فإن المرأة تعمد للصمت كوسيلة لتحليل الأمور في ذهنها، قبل إطلاق حكم على الآخرين.

وأشارت إلى أنه في أحيان كثيرة فإن المرأة تحتار في فهم حديث، أو محاولة، أو تعبير من الرجل، وهذا يجعلها تلجأ للصمت من أجل فهم المقاصد والمعاني لتفادي الوقوع في الأخطاء، وبخاصة إذا كان للرجل نوايا خبيثة، والمقصود هنا ليس الزوج، وإنما شخص تعرفت عليه المرأة لبناء علاقة معه قبل الزواج. وأكدت بأن الصمت يفيد كثيرًا في فهم الآخرين؛ لأن الأخذ والعطاء إن لم يكونا متكافئين فإن النتيجة، أو بالأحرى نتيجة الحديث والنقاش، تكون عقيمة.

وتابعت تقول إن المرأة تخشى ذكاء الرجل، والعكس صحيح أيضًا، لكن ثبت بأن المرأة أذكى في العلاقات الإنسانية، وتستطيع أن تمارس صمتًا يكون مفيدًا لها لتفادي الوقوع في المطبات، أما الرجل فهو لا يتوانى عن إظهار شخصيته دون أن يعلم بأن المرأة ذكية، وتستطيع فهمها «على الطاير» بقليل من الصمت الذي وصفته الكاتبة بـ «الصمت الدبلوماسي» الذي لا يستطيع الرجل ممارسته إذا كانت له غاية مع المرأة.

كذا فالمرأة تصمت كنوع من دراسة ردود أفعالها في موقف معين، كنوع من كشف الحساب، وتعديل السمار، وقد يكون محاولة لفهم الذات، والبحث عن الإيجابيات لتنميتها ومعالجة السلبيات، وهذا ما تؤكده الأخصائية البرازيلية «آنا ماريا جيزوس» بأن صمت المرأة بين الحين والآخر يعتبر من أكثر الوسائل فائدة لتقدير نفسها من حيث معرفة الإيجابيات والسلبيات الموجودة في شخصيتها، والعمل عبر صمت داخلي على تحليل الأسباب التي تجعلها عرضة للانتقادات، أو مثار  إعجاب من قبل الآخرين.

صمت المرأة سلاحها

وأخيرًا أكدت «آنا ماريا» بأنه ثبت بأن أكثر ما يخشاه الرجل في المرأة هو صمتها؛ لأنه غير قادر على استيعاب ما تفكر به المرأة، ويخشى من أن يكون هذا الصمت دليلًا على عدم الرضاء عن رجولته، وهو الشيء الذي يخشى الرجل من أن ينال منه من قبل المرأة.

وقالت أيضًا بأن الصمت يولد الصمت أحيانًا، واستخدام المرأة الصمت لهذا الغرض يفيد في تهدئة جدال ساخن مع الرجل. وأضافت بأن الرجل يتظاهر بأنه لا يحب رد المرأة على انتقاداته، أو الدفاع عن نفسها بالكلام، ولكنه لا يتحمل كثيرًا الصمت الذي تمارسه المرأة في هذه المواقف. وفي هذه الحالة يصمت هو الآخر، ويحاول قسرًا أن يهدئ نفسه ليجعل المرأة تتكلم. فإن وجد ذلك الصمت لا يمس أمورًا حساسة عنده كرجل، فإن باله يهدأ، وبذلك تحرز المرأة انتصارًا بصمتها الحازم.

المرأة تخاف صمت الرجل

الرجل كما قدمنا من طبيعته الصمت، والمرأة من طبيعتها الثرثرة، وهذا ما يعذب الرجل حينما تصمت المرأة، فهو يجلس حائرًا فيمَ تفكر، وهكذا صمت الرجل يعذب المرأة؛ لأنها لا تدري لماذا يصمت الرجل؟ تظن المرأة صمت الرجل مثل صمتها -وهذا خطأ-، فهي لا تصمت إلا عندما تكون غاضبة، أو محبطة، أو حزينة، أما حينما ترتاح فهي تثرثر، لذا فعلى الرجل حين تصمت زوجته أن يحترم صمتها، وكذا المرأة عليها أن تحترم صمته.

أحيانًا بعض النساء يصمتن لكي يجذبن الرجل لسؤالهن: فيم تفكرين حبيبتي؟ لماذا أنت صامتة؟ وهنا تبدأ المرأة في الكلام، الذي كانت تحبسه بصدرها فترة صمت زوجها، وقد يضيق بها زوجها زرعًا، فعليها انتقاء الأسلوب المناسب والوقت المناسب لكي تخترق صمت زوجها.

تصمت المرأة كحيلة دفاعية لامتصاص غضب الرجل، والمرأة الذكية هي التي تطبق أسلوب الصمت حتى تفكر مليًا قبل حصول ردة فعلها المفاجئة، وهكذا تتحكم في نفسها، وتركز أكثر في الحبكة المنطقية لمحور النقاش مع الطرف الآخر، لكن إذا بدأت بالكلام بطريقة انفعالية فستثرثر بغير هدى وتقع في أخطاء، وتصدر عنها ألفاظ قد تندم عليها لاحقًا، الصمت في المواقف الصعبة يولد الاحترام، بعكس الصراع والجدل الذي يولد التنافر والحقد. الصمت يدمر أسلحة من تتشاجرين معهم ويجردهم من القدرة على مواصلة الكلام.

«على المرأة أن تتحلى بالصمت.. فالرجل ينجذب إلى المرأة الغامضة بعكس ما تظن غالب النساء أن الرجل يحب المرأة (المتحدثة الجيدة)».

تصمت المرأة عندما يشتاط الرجل غضبًا لاحتواء الموقف، والسيطرة عليه، ولتعلم المرأة أن الصمت الذي تمارسة المرأة، يجعلها في نظر زوجها أكثر ذكاءً، وأعمق تفكيرًا، فعندما يعود الرجل من عمله متعبًا ويكون سريع الاستثارة أو الغضب عليها أن تتجاهله، وتصمت لكي تتحكم هي في الموقف بدلًا منه. فهو سيحاول أن يخفف من غضبه ليحقق التوازن بين شخصيته وشخصيتها، وفي الوقت نفسه يتأثر بأسلوب تعاملها مع غضبه، فيقدر لها ذكاءها، ويحترم موقفها، وينجذب نحوها، ويعتبرها إنسانة جديرة بالاعتماد عليها في المواقف الصعبة. فالرجل تثير انتباهه قيمة الصمت، وتتضح أكثر فيما تعطيه للمرأة من وقار واحترام، فالنساء عامة معروفات بحبهن لجلسات التسلية والدردشة وإلقاء الشائعات، وهؤلاء في نظر الرجال محبات للثرثرة، وغير جديرات بحب واحترام أزواجهن، بينما المرأة التي تستمع أكثر مما تتكلم وتجيد فن الصمت والرد بكلمات مقتضبة ومتقنة، هي التي تثير انتباه الرجل ويجذبه غموضها، ويحاول التقرب منها لفك غموضها واكتشاف أسرارها. الرجل لا يحتاج إلى المتحدثة الجيدة بقدر ما يحتاج إلى الصموتة الذكية التي تعرف كيف تمتص غضبه، وتتحكم في انفعالاته، فكلام الرجل عند غضبه غير معتمد؛ بل قراراته عند غضبه ملغية؛ لذا فعلى المرأة عندما يغضب الرجل عليها أن تصمت صمتًا إيجابيًّا لا صمتًا مستفزًا، ولا تأخذ كلامه وقراراته أثناء غضبه مأخذ الاعتبار.

المرأة عندما تصمت فهذا بمثابة إنذار للرجل

المرأة تصمت عندما يكون الموقف أكبر بكثير من حروفها، وأكبر من أن تستوعبه حكمتها؛ لذا فهي تصمت وتكتفي بدموع أو ابتسامة باهتة تعلن بها عن وجعها كرسالة إلى من أمامها، الموقف أكبر من أن أتحدث، احتوي صمتي، قرب مني. رسائل ترسلها المرأة إلى الرجل لعله يفهمها، وهكذا المرأة تحتاج إلى قارئ جيد حنون يعرف متى يقترب، ومتى يبتعد لأنها تريد أن تختلي بنفسها، رجل ذكي لماح.

المرأة العاقلة هي من تصمت كثيرًا؛ لأن الرجل يفضل المرأة الغامضة لأنها تخبئ ما تشعر به، ولا تدلي بأي معلومات عن نفسها أو عن الآخرين، فينجذب نحوها لأنه يجدها موضع ثقة، وأكثر تأثيرًا في الآخرين، ويرى فيها مستودعًا أمينًا لأسراره ومشاكله؛ لأنها ستحتفظ بها لنفسها، بعكس المرأة كثيرة الكلام التي يصمت أمامها الرجل، ويتهرب منها مخافة أن تفشي أسراره أمام الآخرين.

وفي دراسة أخرى، أكد العلماء أن كثرة سكوت المرأة والضغط على نفسها في سبيل أن تترجم للآخرين قوتها وثقتها الزائدة بنفسها هو وسيلة لأن تصبح أكثر عرضة للأمراض النفسية والعصبية. ومن هذا المنطلق أثبت «ألين ويلر» في كتابه «الرجل و المرأة أسرار لم تنشر بعد» أن المرأة في حال عدم إفصاحها عن كل ما يزعجها لشريك حياتها سيؤدي ذلك حتمًا إلى تراكم المشاعر المكبوتة، وتفاقم غضبها الذي سيصب بالنهاية عليه، والذي سيؤدي إلى نتائج سلبية لا يرغبها الطرفان، كما يدل ذلك على عدم ثقتها به، وعدم رؤيته ملجأ لها في حال تعرضها للضغط.

كما ذكر «جون ديوي» في كتابه «المرأة من الزهرة والرجل من المريخ» أن سبيل المرأة في حل مشاكلها هو اللجوء إلى الكلام، على عكس الرجل الذي يفضل حل مشاكله بعيدًا عن الآخرين.

ولكن في النهاية، على المرأة أن تكون صموتة بحكمة، ومتكلمة بحكمة، وعليها أن تكون قارئة جيدة لصمت زوجها ورود أفعاله، وهكذا على الرجل احتواء زوجته، وعلى الرجل أن يحترم صمتها ويقدره جيدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المرأة
عرض التعليقات
تحميل المزيد