من الناس من ينصرف بأكمله في وصف جمال المرأة الخلقي، وما تقع فيه عينه عليها فيبدع في ذلك شيئًا كبيرًا، من قمة رأسها إلى أخمص قدميها! وهولاء هم القسم الأكبر، ومع هذا فإن هناك من يهتم اهتمامًا آخر، ليس إلى جمال الخلقة فحسب، بل جل اهتمامهم بالصفات الخلقية المثالية والفاضلة للمرأة.. سأتحدث اليوم عن واحد منهم، وهو الشنفرى (ثابت بن أوس)، وهو واحد من الشعراء الجاهليين الصعاليك، الذين منهم تأبط شرًا وعروة بن الورد والسليك بن السلكة وأسيد بن جابر، وربما يكون الشنفرى أشهرهم.

وأول ما يقفز إلى ذهني هو تائيته المشهورة، والتي قدمنا أنه واحد ممن خالف ما يهتم به عامة الشعراء فيها، وتائيته تلك يختص فيها المرأة – وهي هنا أميمة زوجه – بالصفات المثلى، ويصفها وصفًا بليغًا يتسم بالجزالة والقوة، وهذا هو مكمن إعجابي بها، وربما سائر الناس.

من بعض ما وصفه فيها أنها لا تسرع المشي والخطى فيسقط قناعها، مثلما تسقط أقنعة الأخريات، ولا تكثر التلفت لأنه من فعل أهل الريبة، وأميمته المصونة لا تطيل الكلام في الطريق، فهي إذا مشت، عيناها تنظران إلى الأرض، كأنها أضاعت شيئًا على الأرض، لشدة حرصها، وإذا تكلمت فإنها لا تطيل الكلام، وهذه هي قمة الحياء المفترض أن يتوفر في كل امرأة، وبعد هذا كله فإنها إذا ذكر خبر النساء، فإنه لا يخزي الشنفرى الحديث عنها، وذلك لخفرها وعفتها، وهذه أيضًا صفات جيدة، إذا ضمت إلى ما قبلها، فإننا أمام صورة متكاملة إلى ما ينبغي أن تكون عليه الأخلاق الكاملة.

ولا أجد في ذلك وصفًا تستحقه هذه الأبيات أكثر مما وصفها به الأصمعي الذي قال إن هذه الأبيات أحسن ما قيل في خفر النساء وعفتهن، الأبيات يقول فيها الشنفرى من البحر الطويل:

أَلاَ أُمُّ عَمْروٍ أَجْمَعَتْ فاسْتقَلَّتِ … وما وَدَّعَتْ جِيرانَها إِذْ تَوَلَّتِ

وقد سَبَقَتْنَا أُمُّ عَمْروٍ بأَمرِها … وكانت بأَعْناقِ المَطِيِّ أَظَلَّتِ

بِعَيْنَيَّ ما أَمْستْ فبَاتتْ فأَصبحت… فقَضَّتْ أُمُوراً فاستقَلَّتْ فَوَلَّتِ

فَوَ اكَبِدَا على أُميْمَةَ بَعْدَ ما … طَمِعْتُ فهَبْها نِعْمةَ العَيْشِ زَلَّتِ

فيَا جارَتِي وأَنتِ غيرُ مُلِيمَة … إِذَا ذُكِرَتُ ولاَ بِذَاتِ تَقَلَّتِ

لقد أَعْجَبَتْنِي لا سَقُوطًا قِناعُها … إِذا ما مَشَتْ ولا بِذَات تَلَفُّتِ

تَبِيتُ بُعيدَ النَّوْمِ تُهْدِي غَبُوقَها … لِجارَتِها إِذَا الهَدِيّةُ قَلَّتِ

تَحُلُّ بِمِنْجَاةٍ مِن اللَّوْمِ بَيْتَها … إِذا ما بُيُوتٌ بالمَذَمَّةِ حُلَّتِ

كأَنَّ لهَا في الأَرضِ نِسْيًا تَقُصُّهُ …على أَمِّها، وإِنْ تُكَلِّمْكَ تَبْلَتِ

أُميْمةُ لا يُخْزِي نَثَاهَا حَلِيلَها … إِذا ذكرَ النِّسْوَانُ عَفَّتْ وجَلَّتِ

إِذا هُوَ أَمْسَى آبَ قُرَّةَ عَيْنِهِ … مآبَ السَّعيدِ لم يَسَلْ أَيْنَ ظَلَّتِ

فَدَقَّتْ وجَلَّتْ واسْبَكَرَّتْ وأُكْمِلَتْ … فَلْو جُنَّ إِنسانٌ من الحُسْنِ جُنَّتِ

ومع اهتمام الشنفرى بالمعاني المثالية والمكارم في أبياته الجزلة، التي ربما جعلته مختلفا عن عامة الشعراء الجاهليين الذين يبدءون أشعارهم بالأطلال، وذكر الحبيبة وعيونها وجمال قوامها، إلا أنه مع هذا جمع كل الصفات الخلقية والخلقية أيضًا في بيت واحد، وهو الشي الذي يدعو للإعجاب والرضا الكبيرين وهو قوله:

فدَقَّتْ وجَلَّتْ واسْبَكَرَّتْ وأُكْمِلَتْ … فَلْوْ جُنَّ إِنسانٌ من الحُسْنِ جُنَّتِ

لأنه يعني أنها دق من أعضائها ما يستحب دقته وفخم ما يستحب فخامته، واعتدلت طولًا وأكملت، وبهذا فقد استوفي كل صفاتها في صدر هذا البيت، أما عجزه فهو شأن آخر؛ لأنه يحتمل ثلاثة معان كلها صحيحة كما يقول رواة الشعر، الأول هو أنه لو ستر إنسان عن العيون صيانة له عن الابتذال لفعل بأميمة، والمعنى الثاني أنه يريد لو جن إنسان تفكرًا فيما تفرد به من الجمال لكانت أميمة، والمعنى الثالث أنه لو أخرج من البشرية إنسان، ونسب إلى الجن لما منح من الحسن، لكانت أميمة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد