لما اجتاح «الإسكندر الأكبر» بلاد الشرق – فارس والهند ومصر- كتب له أستاذه «أرسطو» يَنهاه عن هذا الغزو؛ لأن من شأنه القضاءَ على تميز الجنس اليوناني حين يحتك اليونانيون بالشرقيين. ولكن جاءه رد الإسكندر قائلًا إنه يغزو الشرق «لأجل أن يجعل الثقافة والفكر اليونانيين فكر العالم وثقافته».

جرت السنَّة الكونية على وجود ميلٍ إنسانيٍّ غير محدود إلى ما اصطُلِح على تسميته بـ«العولمة»، وتوسيع النفوذ، وبسط السلطان؛ فتجد أحلامًا فطرية بالحركة في عالم واحد بعيدًا عن الحدود والقيود، حالت الحقائق الجغرافية وتباين الثقافات والمصالح دون تحقيقها.

وكان للإنسان وسيلتان أساسيتان لتحقيق ذلك: غزو البلاد، وغزو القلوب والعقول. ومع بزوغ عهد الديمقراطية، الذي كبح جماح الخيار الأول (غزو البلاد)، وفرض على الملتزمين بها تقدير واحترام (الرأي العام)، باعتباره مكونًا أساسيًّا للمنظومة الديمقراطية والمجتمع الليبرالي، تجد أن هناك إجماعًا صريحًا بين المنظِّرين السياسيين على استحالة تطبيق الديمقراطية الإثينية/اليونانية القديمة (حكم الشعب بالشعب للشعب) في المجتمعات الديمقراطية الحديثة، وأنه لا بد من وجود سلطة/نخبة عليا حاكمة ورشيدة، هي التي تقرر مصير الشعب الأدنى المحكوم غير الرشيد.

ولكن هذا العهد الديمقراطي، بالرغم من كبحه لجماح هذا الخيار «الإمبريالي»، لم يتمكن فعليًّا من تهذيب وكبح دافعه الفطري، لا سيما في عالم تغذى على أفكار «داروين» و«نيتشه» الشمولية؛ حيث الأفكار تُفرض بالقوة، والبقاء يكون دائمًا للأقوى.

ولذلك، وخروجًا من هذا المأزق الأخلاقي «ظاهرًا»، كان على الإنسان، لقضاء وطره ولإشباع رغبته، سلوك طريقٍ آخرَ أكثر نعومة وأقل صَخبًا، وهذا الذي وضح معالمه وزيرُ الدفاع الأمريكي السابق «رامسفلد» في حواره مع صحيفة «واشنطن تايمز» (23 أكتوبر 2003) حينما قال «نحن في حرب الأفكار» War of Ideas.

وحرب الأفكار هذه لها مستويان: مستوى نخبوي؛ تغلب عليه الكتب والتنظيرات والجدليات والفلسفات، وموضعه تحت القباب وفي ساحات المناظرات، ومستوى آخر شعبوي، ويغلب عليه القيل والقال والقصص والروايات، وموضعه في الفضائيات وعلى الشاشات، وبين دفات المجلات والروايات.

وهذا الأخير بطبيعة الحال هو الأكثر نفوذًا وشيوعًا ورواجًا؛ فلو أننا طرحنا سؤالًا عمليًّا وقلنا:

– كم منا يعرف عن فلسفة «ما بعد الحداثة» ودقائق أفكار نيتشه أو «فوكو» أو «دريدا» المهيمنة على الفكر الغربي؟

– كم شخصًا على مستوى العالم كله قرأ كتبهم، أو استوعب تنظيراتهم؟

وفي المقابل:

– كم منا يعرف فيلم كذا أو رواية كذا؟

بالإجابة عن هذا السؤال يَتبين لنا مدى تأثير الفن والإعلام وتوغلهما في القطاع الأعرض من الناس، واستحواذه على قلوبهم وعقولهم على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم، وعليه يتبين كيف أنه باختصار سلاح خطير في يدِ مَن يُجيد استخدامه وتوجيهه، تستطيع النخب الفكرية من خلاله الخروج من هذا المأزق الأخلاقي الديمقراطي «بشياكة»! بل تجنيد جحافل من المبشرين بهذه الأفكار طواعية ودون مقابل، فماذا بعد الاستحواذ على القلوب والعقول؟ ماذا أفضل من الدعم التلقائي والتحيز غير الواعي؟

تدبَّر جواب الروائي والفيلسوف الإيطالي «أومبرتو إكو»، حينما سألته الكاتبة الفرنسية ذات الأصل الإيراني «لِيلا أزام زانجانيه» عام 2008 عن عبارته المشهورة «الأشياء التي نعجز عن التنظير لها، يجب أن نسردها في رواية»، حيث قال «أظنني عبّرتُ عن أفكاري بشكل أوضح في رواية (بندول فوكو) أكثر مما فعلته في مقالاتي الأكاديمية. كل فكرةٍ مهما بدت أصيلة، تأكد بأن أرسطو توصل لها قبلك، لكن كتابة رواية حول تلك الفكرة ستجعلها تبدو أصيلة ومبتكرة. مثلًا الرجال يحبون النساء، هذه ليست بفكرة أصيلة، لكن، لو استطعت بشكل ما أن تكتب رواية رائعة عن هذا المعنى، حينها بخدعة أدبية ساحرة ستتحول إلى فكرة مبتكرة. في نهاية الأمر، وبكل بساطة، أؤمن أن القصة أكثر ثراءً؛ لأنها فكرة يُعاد تشكيلها إلى حدث، تحكيه شخصيات القصة، ويُسرد بلغة محبوكة. لذا بطبيعة الحال، حين تتحول الفكرة لكائن حي، تصبح شيئًا مختلفًا تمامًا: كِيانًا له القدرة على التعبير.

من الناحية الأخرى، التناقض قد يكون من أساس الرواية. فقتل شخصية امرأة طاعنة في السن يبدو ممتعًا. إنما بفكرة كهذه، ستنال معدل (هـ = راسب) في امتحان علم الأخلاق، لكن في الأدب ستنال على (الجريمة والعقاب) تحفة فنية من النثر، الشخصية فيها تتساءل إن كان قتل امرأة طاعنة في السن أمر جيد أم سيئ، الحيرة في أفكار الشخصية – مع تضارب آرائنا نحن – حينها تغدو مسألة شاعرية وتحديًا كبيرًا».

فلا عجب إذن حينما يقع الفن والآلة الإعلامية بشكل أعَم في براثن من يجيد إدارة دفته وتوظيفه واستثماره وجني ثماره لصالحه، ولا عجب أن يصبح مدار صراع هائل تتنازع فيه كيانات اقتصادية ضخمة، وحكومات، ونخب فكرية، وتسخيره ليكون آلة حرب أقل كلفة وخسارة، وتحرر الطموح الاستعماري الإنساني الفطري من أغلاله، بل تُزيل عنه الحرج الأخلاقي، فما يضر في غزوة بلا سلاح أو دماء، وساحتها ببساطة هي «الوعي الشعبي»؟!

وعمليًّا، وبعيدًا عن المثالية، أو الرومانسية الأخلاقية، لا يوجد في قاموس الإعلام ما يُعرف بـ «الإعلام المحايد» أو غير المؤدلج؛ فوسائل الإعلام المختلفة هي الآلة التي يَستخدمها صاحب الرسالة أو الأيديولوجيا لنشر أفكاره أيًّا كانت، وثمة فرق – نظريًّا – بين الخبر والرأي؛ فنقل الخبر هو الذي يُشترط فيه الحِياد، أما الرأيُ؛ فلا يُشترط فيه ذلك. وكون إعلام الرأي ليس حياديًّا، ليس عيبًا في ذاته، إذا كانت الساحة مفتوحة والمُعترك شريفًا، إلا أن هذا ليس ما يحدث عادةً في العالم الدارويني النيتشوي الشمولي؛ حيث التضييق الواضح على الآخَر، ومُصادرة رأيه، وتجفيف منابعه الفكرية والخبراتية والمالية.

نحن في عالمنا العربي والإسلامي في مرحلة صعبة ولا شك؛ فالمبدع البارز المتصدر صاحب الإمكانيات والموارد هو من يخدم المسار الغربي ذاته وبتسهيلات منه، أما من يقاوم؛ فهو أشبه بمن ينحت في الصخر. في الإمكان أن نصلَ إلى نتيجة إيجابية، نعم، ولكن بعد عناءٍ شديدٍ وعوائقَ كبيرةٍ. يجب على «المشتغلين» بهذا المجال في سبيل تحقيق ذلك الصبر والمصابرة، والتطوير والإبداع والمواكبة. وأما «المنشغلون» بهذا المجال غير المشتغلين به؛ فيجب عليهم – على أقل تقدير – التحصُّن بالحد الأساسي من الثوابت العقَدية والأخلاقية، التي يَستطيعون من خلالها التمييز بين الخطأ والصواب، وحفظ أبنائهم وصيانة مجتمعاتهم.

وقياسًا: أتصور أن المنافسة في مجال أفلام الرسوم المتحركة هو السبيل الأنجح لاقتحام عالم الأفلام والمسلسلات والسينما بقوة؛ فهي وسيلة – بالرغم من تكاليفها الضخمة التي يجب أن يتحملها شرفاء المستثمرين- وسيلة تُزيل الحرجَ عن الكثير من المبدعين المحترفين، عن التحفظ في إخراج المشاهد العائلية والمنزلية الخاصة والمختلطة، ليخرج المنتج أكثر تأثيرًا وعاكسًا للواقع.

ولا شك أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي صارت خطوة أساسية على الطريق؛ فهي الأسهل، والأقل تكلفة، والأكثر نفوذًا وانتشارًا، ووسائل عرض المحتوى فيها كثيرة ومتنوعة، يتطلب الأمر فقط دراسة جيدة، وإعدادًا احترافيًّا، وتسويقًا ذكيًّا، وقبل ذلك كلِّه نية وعزيمة صادقة.

أشتاق إلى يوم أرى فيه رواية عربية تحملُ قيمًا وثوابتَ إسلاميةً أصيلة، تخرج إلى العالم منافسة لتحفة «باولو كويلو» «الخيميائي»، والتي نشرت في 119 دولة في العالم، وظلت 300 أسبوعًا على رأس قائمة «نيويورك تايمز» الأمريكية للكتب الأكثر مبيعًا، بل ترجمت إلى 80 لغة، ودخلت موسوعة «جينيس للأرقام القياسية»؛ كأكثر رواية تم توقيع ترجمات لها في حفل توقيع واحد، حيث وقع كويلو نسخًا بـ 53 لغة في معرض فرانكفورت للكتاب في العام 2003؛ مما جعلها واحدة من أكثر الكتب مبيعًا على مر التاريخ، على ما فيها من أفكار اتحادية وحلولية عقدية خطيرة.

فتُرى متى يكون هذا اليوم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد