ظاهرة الحشد والتاييد في الثورة السورية

مع بداية الثورة واندلاعها اندلاعًا واسعًا، تظهر حالة من عدم الاستقرار؛ بسبب ضعف الحكومات المركزية، ترافقها قوة في المجتمع على مستوى الفكر، والوعي، والحقوق.

المنخرطون في الثورة يرون هذا التغير الديناميكي في المجتمع؛ إذ تنشأ فيه ظواهر جديدة لم يألفها من قبل، أو لم تكن محل دراسة وعناية، ظواهر إيجابية، وأخرى سلبية، لا بد من إلقاء الضوء عليها ووضعها تحت المجهر. وعليه سأضع رحالي في ظاهرة شديدة التأثير في الثورة، ومساراتها، ومآلاتها، ولا بد من التنويه بأنني – كعادتي في النقد– أسلط الضوء على الظاهرة، وسأكون – قدر الإمكان- بعيدًا عن التشهير، قريبًا من توصيف الظاهرة والإحاطة بها؛ فهدفي دائمًا الإفادة ليس غير، وأن نستفيد من الدروس والعبر، ولا نعيد إنتاج الأخطاء ذاتها مرة أخرى.

في حالة عدم الاستقرار التي ترافق الثورة، ومع ضغط نظام الأسد الشديد، لجأ كثير من الأفراد، والفصائل، والمنظمات إلى الحشد والتأييد، وضم أعداد كبيرة إلى جسم المنظمة، أو الحزب، أو الفصيل؛ لذلك دأبت كل الجهات الثورية على ضم الشباب في قواعدها، وتضخيم كوادرها، والانتشار الأفقي في المجتمع، وقد رأينا وسمعنا حالات التباهي بالعدد لهذا الفصيل، أو ذاك التجمع.

ولكن الذي حصل هو زيادة في الكم على حساب النوع، دون تدقيق في تاريخ المنتسب، وأهليته للعمل الثوري، ودون وضع شروط أخلاقية دنيا على الأقل للانتساب، كانت تجري عملية الحشد والتأييد بسرعة لا متناهية.

إن وجود أعداد غفيرة يعطي شعورًا بالأمان يحتاجه العمل الثوري، ضغط هائل من الطيران والمدفعية والصواريخ يصبه نظام الأسد على معارضيه في المناطق الخارجة عن سيطرته؛ فتحتاج الفصائل إلى ضم عدد أكبر من الشباب للشعور بالأمان، على أقل تقدير، ولصد هجمات نظام الأسد على المناطق المحررة. الشعور بالأمان، ولو على نحو بسيط، كان سببًا لظاهرة الحشد والتأييد. ومن الأسباب الأخرى لهذه الظاهرة، سيطرة الفصائل على مدن وقرى ومناطق واسعة في سوريا، ما جعلها في حاجة إلى العنصر البشري لإدارة المناطق المحررة، وحمايتها، والدفاع عنها. وثالث الأسباب – برأيي- هو التباهي بعدد العناصر المنضوية تحت هذا التنظيم أو ذاك؛ فقد حدثت بين الفصائل منافسة واسعة في ضم عدد أكبر من العناصر، وقد ظهر بعض القادة، للأسف من سفلة القوم، ليس لديهم من مؤهلات القيادة شيء سوى بعض الشجاعة، والتي بدورها لا تكفي مع ما يحمله القائد المزعوم، من صفات الجهل، والسفه، والغرور.

في مرحلة التوسع والانتشار والسيطرة، سينضم إليك كثير من الناس لأسباب مختلفة، ولكن معظم من يأتيك في هذه المرحلة جماعة «على هوى السوق بنسوق»، الذين «لهم في كل عرس قرص»، يميلون مع الهوى ومع من تكون له الغلبة، ليس لديهم مبدأ، ولا غيرة، ولا شرف، إنهم يبحثون عن الاستقواء بك، أو يرون فيك فرصة عمل شرعية، أو غير شرعية، للوصول إلى مآربهم.

في حالات الرخاء التي يتركها النظام لبعض المناطق المحررة مكرهًا؛ لأنه لا يستطيع القتال على أكثر من جبهة، في هذه الحالة غالبًا لا ينضم إليك إلا المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة من الناس؛ لأن أصحاب المبادئ والعزيمة قد حسموا أمرهم مبكرًا، وانضموا إلى الثورة مع أول صيحة حرية.

هنا لا بد من تسجيل ملاحظات مهمة والتركيز عليها، وهي أن عملية الحشد واستقطاب مزيد من الأنصار والأتباع، دون تمحيص وتدقيق، لن تجعلك الأقوى، ولن تصنع منك صاحب قضية، بل على العكس من ذلك، سترهق كاهلك، وتصير عبئًا عليك مع الزمن، وتكون أنت أول من دق مسمارًا في نعشك. إن حالة الانتعاش والرضا التي تعتريك حين تجد حولك مزيدًا من الأعضاء في حزبك أو منظمتك، سرعان ما ستتحول إلى كابوس يؤرقك ويثقل عاتقك، ويجعلك تنحرف عن المسار الذي وضعته لنفسك، ويبعدك عن أهدافك التي خرجت من أجلها.

ومن الملاحظ أيضًا أن من نتائج ظاهرة الحشد والتأييد الأكيدة التلاشي والاضمحلال؛ فقد استشرى حلُّ المنظمات والفصائل وتلاشيها على صعيد الثورة السورية، وكثير من الأسماء الرنانة التي كنا نقيم لها وزنًا اضمحلت وانمحت، ولا أرى بأسًا أن أقول إنَّ السبب الرئيس في تلاشي الفصائل يعود إلى ظاهرة الحشد، والتأييد، والاستقواء بالكثرة والعدد. والشيء بالشيء يذكر، فهناك أسباب كثيرة وراء حل الفصائل وزوالها لا يمكن إنكارها، أو غض الطرف عنها، كالعنف الشديد، والحصار، وقلة الدعم.

وفي النهاية، وبالمختصر المفيد، فإن حالة الاعتماد على الكم دون النظر إلى الكيف وأخذه بعين الاعتبار في الثورة السورية، يدخلك في حالة من الانتشاء كمن تعاطى مخدرًا من نوع ثقيل، وتغدو لا تحسب الأمور حسابًا صحيحًا؛ فـ«حساب السوق غير حساب البيدر»، حالة الانتشاء هذه تجعلك تحس بفائض قوة تؤهلك لصنع شيء ما، والمشاركة في صنع القرار، والسيادة، والسيطرة، ولكن فجأة تفيق من النشوة لتجد نفسك وحيدًا وقد انفض الحشد من حولك، حينها تكون قد خسرت قضية وخسرت ثورة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد