تعلمت في المدرسة، وخاصة في كتاب الفلسفة أن التفكير مراحل، وأنه لا يمكن التعامل مع الحياة بنفس المستوى، فمنها التفكير الخرافي والديني والمنطقي والفلسفي، وصولًا إلى أكثر مستويات التفكر رقيًّا، وهو الإبداعي. وتعلمت أيضًا أن للحوار شروطًا معينة يكمن أساسها في احترام الرأي المقابل، والاستماع إليه مصغيًا حتى وإن كان مخطئًا.

«أحيانًا لا يُريد الناس سماع الحقيقة، لأنهُم لا يُرِيدُونَ رؤية أوهامهم تتَحطم». نيتشه

 

وتعودت من قراءتي للأعمال الأدبية عند عرضها لقضايا فكرية من منظور فلسلفي أن أخلو بنفسي، وأفكر مرارًا وتكرارًا، أفكر من أكثر من زاوية، أتجرد من شخصي وأسوق إلى العقل القضية ليحللها؛ لأرى ما الذي يقصده الكاتب بهذا الرأي، وغالبًا ما أجد طريقة للوصول لرأي معين، والذي أحاول أن أناقشه مع  أشخاص مختلفي الفكر تماماً، لأرى إلى أي مدى أنا صحيح، وما الذي أهملته في تفكيري. لكنني عجزت عن الوصول هذه المرة!

كأنه كتب علينا عدم الوصول، الجميع يصل لحد معين ويعتقد أنه قريب للغاية، لكن سرعان ما يندثر هذا عندما يتعلق الأمر بسبب حياتنا على الأرض، ثم ماذا؟

 

وما الحياة؟

«وما الحياة إلا فخ مُزعج، عندما يصبح تفكير الإنسان ناضجًا ويصل لدرجة الوعي الكامل، لا يستطيع أحد أن يُساعده في شعوره أنهُ عالق في فخ، ولا يوجد مهربُ منه على الإطلاق!».   أنطون تشيخوف

يمكنني أن أكتب عن الحياة حتى تنفذ مني كل أوراق الأرض، ولكن ثم ماذا؟ أجل الجميع متفق أن الموت هو من يجعل للحياة معنى، وإن كانت الحياة ليست لها معنى فمن الخير أن نخلق نحن هذا المعنى، أجل أعرف كيف ستتكلم عنها -بطريقة عميقة- وكأنك تعرف جميع أسرارها وخباياها؛ بل لعلك كنت حاضرًا أثناء نشوئها اللا معلوم! ولكن كل هذا لا يرضيني، أتعرف يا سيدي الفاضل كيف تمضي شهورًا تفكر في شيء واحد، وتعجر عجزًا كاملًا عن الوصول لطرف الخيط؟

على مر العصور حاول الفلاسفة الإجابة عن هذا السؤال، ولكن الإجابات اختلفت باختلاف الحقب الزمنية والمناهج الفلسفية والحقائق العلمية، فالناظر إلى هالة النجوم الذرية في الفضاء سيعيد التفكير آلاف المرات، فكلما نظر أبعد سيعيد التفكير، والناظر من بداية إلى الكون سيمسه الجنون حتمًا، أما هذا الذي يعتقد أننا نعيش في دوائر أبدية، ليست لها نهاية ولا بداية، موجودة ولا موجودة فهذا أكثرهم بؤسًا؛ لأنه آمن أنه لا سبيل من الخروج سوى الاستمرار حتى تبدأ الدورة من جديد.

الخطأ الثاني هو أنني انعزلت، وقرأت أكثر من اللازم، بينما كان زملائي يمارسون الحياة ولا يقرؤون عنها.   أحمد خالد توفيق

 

عبث العدمية

دائمًا ما ينتهي بي المطاف منجذبًا للعدمية، مستسلمًا خاضعًا لحقيقة أن لا هدف من الحياة، وأن كل هذا ليس إلا عبثًا وهراءً، ولكن دائمًا يوجد هذا الجزء الداخلي بي الذي ما زال يبحث عن الإجابات، غير قادر على العيش بدون إجابة، حتى وإن كانت الإجابة أننا لم نمتلك من القدرات العقلية ما يمكننا من الوصول الآن، لربما في المستقبل يتوصلون لحل هذا اللغز استنادًا إلى ما تركناه من أفكار وتساؤلات.

في النهاية توصلت إلى شيء واحد، أن الحياة مستمرة بك أو بدونك، سواء اطلعت على سببها وأدركت المحطة التالية، أو عشت على الأرض ثمانين عامًا لم تعرف يومًا إلا تلك الحياة التي اعتدت أن تراها وتعيشها ولا تدركها. سواء إن كنت عدميًّا أو وجوديًّا أو عبثيًّا أو مؤمنًا بأي ديانة، فأنت جزء من تلك الحياة. قد أمضي عمري كله أبحث عن إجابة لسؤال لا يجاب، بينما بمقدوري تركه وأن أستمتع بكل ثانية لي حيًّا، أتوق إلى الحياة أكثر مع كل نفس أتنفسه، ولكن الشيء الوحيد المتعلم من الحياة أنها لا تعمل بتلك الطريقة! أمام كل لحظة سعادة هناك ثمن يجب أن يدفع، سواء آمنت بذلك أم لا.

 

بَعد 5 دقائق مِن ولادتك، سيقررون اسمك، وجنسيتك، ودينك وطائفتك، وستقضي طول حياتك تُقاتل وتُدافع بغباء عَن أشياء لم تَخترها. زياد الرحباني

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عقل, عقلك, فلسفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد