ثلاثة شعارات كانت كافية لملء التعبير عن عالم الديستوبيا القادم من دولة أوقيانيا – اسم الدولة بالرواية – الذي صوره لنا جورج أورويل برواية 1984:

الحرب هي السلام
‌ الحرية هي العبودية
‌ الجهل هو القوة

شعارات عبَّرت عن مفهوم الفلسفة والأسلوب الذي اتبعته تلك الدولة -أوقيانيا – التي يرأسها الأخ الكبير والحزب، كان الأخ الكبير شعارًا وتعبيرًا رمزيًّا أكثر من كونه فردًا.

الحرب هي السلام؛ لأن الحزب كان يستمد حيويته من أجواء الحرب؛ فالحرب هي المبرر الذي يعطيه الحزب لذاته ليستمر في ممارسة الضغينة، والخائن هو من يتبجح ويبدي الرغبة في المطالبة بشيء ما، وذلك ما يضمن سلامة تلك الإمبراطورية.

يُسقط جورج أورويل الضوء نحو الدول التي تسعى نحو الحروب، فهي لا تسعى نحو فوز أو توسع أو حتى دفاع، لكنها تسعى نحو خلق إلهاء عن حقيقة أسلوبها، وخلق من الحرب مصدرًا يُشبع مطامع اقتصادية وانحلالية.

الحرية هي العبودية؛ شُكلت حرية لا يُعترف بها إلا عندما يلازمها عبودية الأخ الكبير والحزب، حينها فقط ستصبح حرًّا تبعًا لمفهوم الحزب؛ لأن كل ما ستريده حينها سيكون ما يريده الأخ الكبير، فلن تجد ما يقيد مساعيك، ووقتها تصبح العبودية والحرية شيئًا واحدًا.

الجهل هو القوة؛ القوة أن يجهل الجميع أن الطبقية لن تتغير، وإن تجمعت شتى العوامل لذلك، جهل تزوير الحقائق، جهل وإنكار وجود جوع أو فقر.

ربما لخصت تلك الشعارات الثلاثة أيديولوجية العالم الذي جاء به أورويل، أما ازدواجية الفكر هي المادة التي لخصت تلك الشعارات والأسلوب المتبع بأكمله.

أبيض أسود، كما يطلقون على ازدواجية الفكر، هو حمل الفكرة ونقيضها في الوقت نفسه، الإيمان بكليهما دون وعي.

اعتراف أوبراين – أحد أعضاء الحزب – عندما قال: «الحزب يريد السلطة لنفسه. ونحن لسنا مهتمين بمصالح الآخرين. إننا مهتمون بالسلطة فحسب».

يؤمن ويقتنع أوبراين عضو الحزب أن غاية الحزب هي السلطة مهما كلفت الناس من ظلم واستعباد، وهو مُقر بأنانية الحزب، لكنه مؤمن في الوقت ذاته بأن ذلك هو الحق.

تلك الدولة قريبة من أرض النفاق، لكنها ليست كذلك. المنافق ومزدوج الفكر كلاهما يحمل فكرتين متناقضتين، يؤمن المنافق بفكرة ويظهر عكسها، لكن ازدواجية الفكر هي الإيمان بالفكرة ونقيضها، والاقتناع التام بكليهما.

«نحن مختلفون، عن أي قلة حكمت في الماضي، من حيث إننا نعرف ما نفعله، كان كل من سبقونا، بمن فيهم من يشبهوننا، منافقين جبناء، اقترب النازيون والألمان والشيوعيون الروس منا كثيرًا، لكنهم لم يتملكوا قط الشجاعة للاعتراف بدوافعهم».

تمَّيُز الحزب في فرض ديكتاتوريته لم يكن في أسلوبه؛ فالحزب استخدم التعذيب بكافة أنواعه، والعنف والخوف وانتزاع الإحساس والقدرة على التفكير، وتقييد المرء، حتى كان تغيير أسلوب المرء في التنفس يُرصد ليتحول الفرد لمجرم وخائن.

اختلفت ديكتاتورية النظام في إجبار الفرد على الاقتناع بصوابية أسلوب الحزب، ليس الرضا به فحسب، لكن لا يسع المرء في أوقيانيا أن تجول له فكرة حتى وإن لم يتطرق لها.

الجريمة بأوقيانيا لم تكن في محاولة المقاومة، أو القيام برد فعل، كانت الفكرة هي الجريمة، وأصحابها هم أسوء مجرمي الدولة.

الخوف يجعل الناس أكثر حذرًا، وأكثر طاعة، وأكثر عبودية، كما يقول سقراط. يتملك ساكن أوقيانيا كل يوم هواء نبعت منه رائحة العذاب التي تذكرك بالعاقبة، أما مياه أنهار أوقيانيا كانت تروي ذبولك، ليكون الناتج ليس سوى نبتة الخوف المتملكة.

الخوف الذي انغرز بسبب أسلوب الحزب في التقييد جعل من الإنسان رقيب نفسه، جعل منه الرقيب الأول الذي لا يسنح لنفسه بتداول فكرة باطنة، الوثوق بالآخر كان أشبه بانتحار، وما تبين بعد ذلك أن الخوف خلق امرأ لا يستطيع أن يثق في جوفه.

لم تقتصر طرق التعذيب والترهيب على أماكن السجن لمجرمي الفكر، بل كانت الحياة الواقعة هي الترويض والترهيب بعينه.

النهاية الآمنة كانت أن تجهل روحك ما حولك، تطيع فقط، حينها فقط تصبح آمنًا، وتكون أنت المسيطر، وتتحول لنسخه مصغرة من الأخ الكبير؛ لأن الجهل كان القوة.

خُلِق امرؤ دون مشاعر وعقل، مُجرَّدًا من أي شيء لم يزرعه به الحزب، وترويض غرائزه وعقله بفلسفة الفكر المزدوج، الوصول له يعني فناء وزوال التفكير، وبناء وزارات تبني مجتمعًا مزدوج الفكر وتعيد هيكلة من لا تخضع روحه وعقله قبل نفسه للحزب.

تجد أن وزارة الحب وُجدت لتمنع الحب، وتحاسب من يدق قلبه، وزارة الحقيقة هي لبناء حقيقة مفروضة من الحزب، وتزوير كل ما يأخذ نحو آخر مما يفرضه الحزب.

«من يتحكم في الماضي، يتحكم في المستقبل، ومن يتحكم في الحاضر، يتحكم في الماضي».
تجد الاكتفاء بالحاضر لا يكفي، يعيدون صياغة الماضي، ليسيطروا على الماضي والحاضر والمستقبل.

وزارة السلام هي لمنع السلام، ووزارة الوفرة هي فقط لتزيد الفرد تقشفًا، أسماء تزدوج حتى مع مهامها، والازدواجية الحقيقية هي أن تلك الأحزاب التي بأدوارها تنحب الشعب، تعد هي ما تحمي حقوقهم.

كل ما سبق لا يحمل سوى القليل من التفصيل والزيادات الطفيفة على ما عبر عنه جورج أورويل في روايته، لكن ما لم يتضح من رواية أورويل هو أن فكرته بتلك الرواية لم تكن مجرد فكرة رواية سياسية عن نضال وظلم.

اختلفت رواية 1984 في أسلوبها السياسي عن عامة الروايات السياسية، فلم يطوق أورويل في زرع النضال داخل القارئ، ولن تخلق المقاومة بعروقك، هي تعرض الصورة الشاملة بكافة تفاصيلها وجوانبها.

يمكن القول إن أورويل لم يعرض دوافعه الحقيقية، لكنه عبر عما التقطته عيناه ناقلة إياه لعقله ليترجم لنا تلك الصورة بالرواية، وذلك جانب من نظرة أورويل أي يعبر عنه؛ لذا لا يمكننا القول إن الرواية هي نقل صورة فقط، بل هي رؤية الكاتب أيضًا.

بدت الصورة المعروضة سوداوية، يسودها الظلمة والهلاك، العذاب السرمدي كان طابعها الأول.

ترى بعد ذلك ألوان الصورة كافة، وأمواج الحياة المُغرقة، يجبرك أورويل على تذوق الحياة ومرارتها أو هي واقعيتها ليس إلا، ولكن المبهر أنه يُذيقك زرقة السماء، صفاء الدنيا بسطر وحلكتها بآخر.

التفكير هو النواة، يتمحور حوله وجودك، وإن انعدمت تلك النواة فلا وجود لك، مثل الجُملة الاعتراضية، وجودها ربما يوضح لكن زوالها لا يؤثر، وذلك ما أدركه الحزب منذ اليوم الأول وعمل على تحويل الشعب لجمل اعتراضية.

«لن يثوروا، حتى يعوا، ولن يعوا إلا بعد أن يثوروا».

ربما تغرس بك الرواية دوافع، لكنها ليست دوافع الثوران نفسه، وربما العائد الأول الذي يريد الكاتب أن تتفرسه هو أكبر من كونه حث نحو فعل، لكن دوافع أقوى، دوافع محركة نحو الوعي، والقدرة علي فهم المحيط المفروض علينا.

عادة ما يُطلق سؤال معتاد من القارئ، هو لماذا نقرأ ل–؟ وتكون الإجابة بشرح نصوص وفلسفة ذلك الكاتب، التي تكون هي الحافز الذي يجعلك تتجه نحو أعمالهم، لكن رواية 1984 وجورج أورويل دفعت نحو سؤال مختلف:

لماذا يكتب جورج أورويل؟

يقول جورج أورويل بكتاب «لماذا أكتب»: «عندما أجلس لكتابة كتاب لا أقول لنفسي: سأنتج عملًا فنيًّا. بل أكتبه لأن هناك كذبة أريد فضحها».

وجدت أن الوصول لإجابة أكثر عمقًا تتفرع من تساؤلات أخرى، لماذا يريد هو فضح كذبة ما؟

– ليعلم الناس الحقيقة، ورواية 1984 تدفع نحو الطريقة التي توصلك للحقيقة لا الانسياق، إنه التفكير؛ فإن فَكَر الفرد توصل للحقائق، ولذلك تفنن الحزب في تعرية المرء من عقله وجعله رضيعًا عاريًا لا يريد سوى حليب والدته.

كيف للتفكير أن يكون هو فكرة الرواية؟!

تستنبط أن الفكرة التي كان يرجوها جورج أورويل لا تتمحور أو تهتم بردة فعلك تجاه الحكام أو الواقع المفروض، الفكرة هدفت تبيين التفكير، وما بعد أن يستخدم المرء عقله ليفهم العالم والمجتمع لا الانسياق، وبالتالي لا تصبح ردة الفعل هي مصدر القلق الأكبر.

الإسقاطات التي قام بها جورج أورويل اتخذت أسلوبًا تنبؤيًا، رغم أن ما ألهمه لكتابة تلك الرواية كان نابعًا من الماضي، لكن الرواية مثلت الحاضر الذي صدرت به، وإذا بها تعبر عن حاضري وحاضرك الذي هو مستقبل عصر تلك الرواية.

من السهل معرفة أن رواية جورج أورويل 1984 تناشد الخلود؛ فتختلف العصور ويظل الحُكم يشابه حُكم 1984، وتختلف الأجيال وتظل الشعوب تشابه شعب 1984.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد