مقدمة

«أوكلما اشتهيت اشتريت» جملة نُسبت للفاروق معاتبًا جابرًا حين وجده في السوق يحمل لحمًا، وحين سأله أجاب انه اشتهى لحمًا، فكان رد الفاروق كما أسلفنا، فلو بعث لعالمنا المعاصر، الذي شعاره «اشتر كلما اشتهيت» ما الذي سيقوله؟!

 عالم من المغريات

غيرت الثورة الصناعية مجرى الحياة البشرية في الجانب الصناعي والإنتاجي، فتنوعت المصنوعات والمنتوجات المستهلكة، وكثرت المغريات الاستهلاكية والزائدة عن الحاجة عبر وسائل الإعلام.

يقبع الانسان أسيرًا امام فخاخ الشبكة العنكبوتية والمحطات التلفزية يشاهد الأفلام والأغاني والموضة وغيرها من البرامج التي تضفي على الإنسان الشعور بعدم الرضا والسعي ليصبح ضمن هؤلاء المُصدرين عبر الإعلام حتى يصبح – كما يحسب – أحدهم، فيقع في فخاخ الاستهلاك، فيتجه لمعبد الحاضرة المعاصرة (السوق).

وفي الوقت الذي يتجه فيه الإنسان للسوق تجد تلك اللافتات الدعائية بأحجامها المختلفة، وكذلك الشاشات وغيرها من وسائل الدعاية والإعلان تصور شخصيات أقرب للصناعية منها للبشرية، تصور عائلة تحمل بضائعها الاستهلاكية وثغورهم باسمة، وفتاة في ريعان الشباب بنظارتها الشمسية تحمل الأكياس والسعادة تغمر وجهها، شاب تظهر على وجهه ملامح الثقة والكبرياء، وغيرها الكثير من الصور التي بلا شك تؤثر في الإنسان، الذي يتمنى – تحت ضغط الحضارة – أن يكون مثل هؤلاء، بل يتصور أن استهلاكه سيؤدي لسعادته بلا شك.

كما يرتقب من أصبح عبدًا للاستهلاك جديد ما يقدمه السوق لا في جانب الملبوسات، والتي يحسب أنها ستحوله لأحد نجوم الشاشات في نظره، بل حتى في جانب الهواتف النقالة والسيارات وديكور المنازل، المهم مواكبة ما هو عصري وحداثي.

وهذا الإنسان يحسب كونه حرًّا في خياراته الحياتية في حين أنه خاضع لمعايير يضعها كهنة السوق وتغير في كل عام أشكال جديدة وإضافات لا تهم، المهم امتلاك الجديد والتحول مثل الذين في الشاشات والمجلات.

المطاعم والمنتجات الغذائية هي الأخرى تدعو الإنسان لاستهلاكها، وإن دعيت بـ (غذائية) فالقيمة فيها قليلة؛ فعلى العلب والأكياس والقنينات مكونات لا نعلمها، والأغذية المصنوعة والمعروضة في المراكز التجارية متعددة الشركات، وإن كان الصنف واحد وبألوان الأغلفة والعلب البراقة والعروض والتنزيلات تسعى كل شركة لجذب المستهلك الحائر.

أما المطاعم فتدعوك عبر إعلاناتها البراقة والمبهرجة لتناول وجباتها ذات السعرات الحرارية العالية، ومع زيارتها المتكررة تلاحظ زيادة الوزن، فتتجه مسرعًا لأخصائي التغذية، الذي ينصحك بالرياضة وتناول وجبات صحية، فيتحول الاستهلاك من وجبات سريعة لوجبات تعرف بالصحية ذات الدفع المرتفع، وهكذا يستمر الإنسان في دوامة الاستهلاك.

دائما ما أعتبر أن المدينة المعاصرة أحد شرور الحضارة القائمة، فأين ما ذهبت فيها تجد الإعلانات تسرق ناظريك، تدعوك لدخول فخ الاستهلاك وسرعان ما يتحول الإنسان لعبد لا حرية له كما يحسب في خياراته، في حين نجد البادية بأشكاله لا تخضع لهذه المؤثرات، فالسوق بعيد عنها ولا يستهدفها – في الغالب – ولا حاجة له في دخول عالم البادية لعدم وجود قدرة شرائية وكثافة سكانية وغيرها من الأمور.

غير مواكب

في بداية الأمر كان هدف الصناع تقديم صناعات تدوم كدوام آثار السالفين من آلاف السنين، وفعلًا ذلك ما كان، غير أن الاستهلاك والأرباح لم تكن بذلك الحجم، فتراجعت جودة المصنوعات حتى يتم الإقبال على الجديد، وراح التغيير يغزوها في كل عام لضمان إقبال المستهلكين وتشجيعهم عبر الإعلام.

وتحول الإنسان غير الخاضع لعبودية الاستهلاك ومواكبة الجديد لمصدر سخرية أو تخلف أو تراجع لمن هم يسبحون في فضاء الاستهلاك.

فتجد الغمز واللمز، والنقد المباشر وغير المباشر حول ما يرتديه الشخص أو ما يقتنيه من هاتف أو منزل أو سيارة ..إلخ وقد يصل بالناقد أن يقول:«كيف تستطيع العيش بهذا ..».

قد يقع الإنسان في فخ انتقادات الاستهلاكيين ويبدأ الدخول معهم، واتباع الجديد حتى يكسب رضا المجتمع المحيط به، على الرغم من أن مرتبه الشهري بالكاد يكفيه.

يفتح أحدهم خزانة ملابسه، والتي بالكاد تغلق ويقف أمامها مطولًا ثم يقول: لم يعد لدي ما ألبسه، فملابسه أصبحت غير مواكبة، فحينها قد يتعرض للإحراج وقول أحدهم – على الأقل – له:(أنت قديم)، وهذه الكلمة كفيلة بأن يتصور كونه يسقط من أعلى النجوم.

فما كنا نرتديه أو نقتنيه أو نمتلكه في الأمس القريب أصبح محط سخرية ودونية، ويتذكر المستهلك نفسه أو يقلب صوره فيقول:(يا ربي كيف كنت ألبس وما كنت أقتنيه)، وهكذا ما نرتديه اليوم ونقتنيه سيصبح منبوذًا في الغد القريب، وفي الغد البعيد قد يصبح كلاسيكيًّا.

 الآثار والمآلات

يقف الانسان أمام هذه المغريات الاستهلاكية، ويسعى للتقليد وليصبح كما هؤلاء (المصدرين) عبر الشاشات، فقد يقترض المال ويقع في فخ القروض المالية وفي الغالب الربوية، والتي لا نهاية لها سوى بفناء الفرد، وقد يسعى آخرون ممن هم أشد عوزا للخروج من مستنقع البؤس الذي يعيشونه لعمل أي فعل قبيح مثل الاختلاس والسرقة في سبيل التحول عبر التقليد بالاستهلاك، لعله يرضي بؤسه ويجتثه منه.

لم تشهد البشرية في تاريخها أمراضًا كما في  عصرنا مثل السمنة والسكر .. إلخ وغالبًا ما تأتي عبر الأغذية المستهلكة، كما أن لها الأثر البالغ، لا على البدن فقط؛ بل حتى على الدماغ.

ندرك جيدًا أن ما نستهلكه هو من خيرات الأرض والتي ننهكها بهذا الاستهلاك عبر أصحاب المصانع الشرهين، والذين لا تهمهم البيئة ويسعون للكسب بأي وسيلة، المهم تكديس السوق بالمستهلكات التي تأتي للمستهلك عن طريق المصانع التي يعمل فيها البائسون لأربعة وعشرون ساعة يوميًا على ورديتين وبدخل ضئيل، إذا ما قورن بالأرباح المكتسبة، فكلما استهلكنا أكثر انتهت البضائع من على الرفوف بشكل أسرع وأزداد الطلب عن طريق التاجر، وبدوره يسعى صاحب المصنع للتشغيل بشكل أسرع، وتستنزف الأرض صفاء هوائها بشكل أكبر عن طريق قطع الأشجار ونزع خيراتها واستهلاك التربة والأدخنة الصادرة من المصانع والنفايات المتراكمة، كما لا ننسى تعرض الحيوانات للقتل لأجل استلاب جلودها أو قرونها.

معضلة كبير تعيشها الأرض بفعل الحضارة المعاصرة.

خاتمة

منذ أن قدمت الحضارة المعاصرة الإنسان على المعبود، وقطعت حبال الوصل مع السماء وأصبح الإنسان هو المعبود، والمتمركز حول ذاته عبر صناعة فردوس أرضي يرضي به رغباته التي ستكون في غنى عما في السماء، وزاد افتخاره بنفسه وحسب أن ذلك سيدخله عالم الحرية المطلقة دون معيار أو مقياس، غير أنه تحول لعبد دون قيود مرئية وتمركز حول الموضوع (المستهلكات) لا الذات كما كان يحسب، وحولته وسائل الإعلام إلى عبد لحضارة السوق يكسب السعادة والرضا عبر الاستهلاك، وإذا لم يستطع مواكبة الاستهلاك وجد التشجيع من البنوك لأخذ القروض وتسليمه رقم عبوديته وإن أضفت عليها مصطلحات براقة (المميز، الذهبي، الفضي، VIP…الخ) وبذلك يقع في الفخ وقد يرتبط برقمه البنكي بزواج كاثوليكي لا يفرقه عنه سوى الموت.

والاستهلاك غير مذموم ولكن بعيدًا عن تلك الصورة المسعورة للاستهلاك، فقط يراد لنا ترشيد الموضوع، ونجد الإشارة لترشيد الاستهلاك قد وردت في عدة مواضع من كتاب الله العزيز، كما ان أحاديث نبينا ﷺ كثيرة حول ذلك والتي تدعو للترشيد في الاستهلاك.

وقول الفاروق عمر لجابر:«أوكلما اشتهيت اشتريت» لا يعني به المنع – كما أحسب – بقدر كونه عتابًا وترشيدًا للاستهلاك.

والتراث غزير بتلك النصائح التربوية الخاصة بترشيد الاستهلاك والنصح في تنظيمه بالشكل الصحيح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد