في عام 1979 قامت القوات السوفيتية بغزو أفغانستان لدعم الحكومة الموالية للاتحاد السوفيتي، وتصدَّت المقاومة الأفغانية الإسلامية لذلك الغزو ببسالة، وواجهت الجيش السوفيتي الرهيب لمدة 10 سنوات كاملة، انسحب بعدها السوفيت معلنين هزيمتهم أمام المجاهدين؛ وخلال تلك المواجهات أثبت المجاهدون بطولات فذة، وبانت لهم من الكرامات ما يفوق الوصف كمًا وكيفًا، وذاعت أخبار تلك الكرامات في ربوع العالم الإسلامي كله.
فى عام 2001 قامت القوات الأمريكية بغزو أفغانستان بدعوى القضاء على أسامة بن لادن؛ فقام تنظيم القاعدة، مصحوبًا بالعديد من الحركات الجهادية، بالتصدِّي الباسل لذلك الغزو أيضًا، ومواجهة الجيش الأمريكي، الذى يعد القوة العظمى الوحيدة فى العالم؛ وأثبت المجاهدون بسالة وشجاعة وفدائية تليق بهم، ولكن بلا كراماتٍ هذه المرة!

السؤال هنا هو: أين ذهبت الكرامات؟

الغزو هو الغزو، والاحتلال هو الاحتلال، والمجازر والانتهاكات بحق المسلمين هي هي، والكفر – كما يُقال – ملة واحدة؛ وفي المقابل، فإن الجهاد هو الجهاد، والدين هو الدين، والشهادة هي الشهادة، والجنة هي الجنة، والله هو الله؛ فلماذا غابت الكرامات!
في الحرب ضد السوفييت كان المجاهدون مدعومين بشكل مباشر – وغير مباشر – من الولايات المتحدة الأمريكية – العدو التقليدي والدائم للسوفييت – وبالتالي كانوا مدعومين من حلفاء الولايات المتحدة، وبالأخص دول الخليج العربي (في ذلك الوقت لم يكن بالخليج العربي دول ذات ثقل، إلا المملكة العربية السعودية والكويت). وكعادة الولايات المتحدة فإنها تقوم بمواجهاتها على محاور متعددة، أهمها على الإطلاق محور الدعاية والإعلام.
وقد تولَّت الولايات المتحدة بنفسها ملف الدعاية فى الغرب، فانتشرت أخبار وتقارير الانتهاكات السوفيتية بحق الشعب الأفغاني الأعزل، وتم رصد وتوثيق الجرائم ضد الإنسانية التي تُرتكب هناك.
في حين أسندت إلى حلفائها المسلمين (الخليجيين خاصة) إدارة الملف فى العالم الإسلامي، فأبدعوا ما ذكرناه آنفًا، وانتشرت في كل ربوع العالم الإسلامي صور المجاهدين، بلحاهم الكثَّة، وملامحهم الصارمة، والبنادق الآلية ومدافع الـ(آر بى جي) التى يحملونها أو يوقفونها بجوارهم أثناء التصوير؛ كما انتشرت شرائط الكاسيت (لم تكن اسطوانات الكمبيوتر قد عُرفت وقتها بعد) التي تحمل أناشيد تحث على الجهاد، وتمدح المجاهدين وبطولاتهم، بجانب الأقاصيص، والمقالات، والكتب التي ترصد الكرامات العجيبة الغريبة التي يرسلها الله تَتْرَى تثبيتًا للمجاهدين في سبيله، والتي لم يحصل الصحابة أنفسهم (رضوان الله عليهم) على مثلها!
أما الحرب الثانية فكانت ضد الأمريكان، وبالتالي ضد حلفائهم الخليجيين؛ فانتشرت صور اللحى الكثَّة، والملامح الصارمة القاسية، والبنادق ومدافع الـ(آر بي جي)، ولكن لتدلِّل هذه المرة على العنف والقسوة والإرهاب، لا على البطولة والفداء! كما اختفت قصص الكرامات، وحلت محلها قصصٌ ومقالاتٌ وكتبٌ عن شطط الإرهابيين، واغتصابهم للفتيات والفتيان، ورجمهم للنساء!
فكأن الكرامات لا تُعطى وتُمنع حسب رضا الله، وإنما حسب رضا أمريكا؛ وكأن آيات الرحمن تلك التى تغنينا بها فى صبانا لم تكن في جهاد الأفغان، وإنما كانت في خدمة الأمريكان؛ وكأن مؤلف الكتاب الشهير كان الأولى به أن يسميه: آيات الرحمن في جهاد الأمريكان!
بالطبع لا ألوم المجاهدين، ولا أقلل من جهادهم وتضحياتهم، ولا أقدح في إخلاصهم، فذاك بينهم وبين الله؛ وهم في كل الأحوال أفضل من الأمريكان، والسوفييت، والخليجيين، ومنا جميعًا عند الله.

ولكن فقط أوجه الضوء لبعض صور التلاعب بالدين وأركانه وشعائره لقيادة قطيع الأمة؛ وكيف تم استغلال الجهاد، ركن الدين الأعظم وذروة سنامه، من قبل الأعداء ومواليهم لتحقيق أهداف التحكم والسيطرة، وسط غياب كامل للمنهزمين من أمثالنا – سواء مخلصين أو منافقين – عن قراءة المشهد، وتخليص الدين وأركانه من هذا العبث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد