في زمنِنا هذا، مع نمطِ التكنولوجيات الحديثة أصبح الكثيرُ منّا يُحس بتِلك الفَجوة بين أفراد الأسرة بسبب فقدان صلةِ الرحم والقرابة.

لا زِلت أتذكر دفءَ اللّمة الذي كنت أحِسّ به وأنا صغيرة، أما الآن، أصبحنا نرى من هَذه القطيعَة ما يتوجّع له القلب وتدمعُ له العين، البعض يتأجج بالاِشتغال في مجريات الحياة وأن مشاغلها لا تنتهي، أما البعض الآخر يكتفي بالتواصل عبر الهاتف ومواقع التواصل الاِجتماعي.. فأصبحت الأعيادُ والمناسبات افتراضية وإِلكترونية خالية من المشاعر وباردة، وأصبحت القلوب متباعدةً، وﻻ يسأل الأخُ عن أخيه، حيث من المفترض أن يكون العكس؛ لأنه بصلةِ الرحم يكثر الرزق ويطولُ العمر ويدخل صاحبها الجنة.

فعن أبي أيوب الأنصاري – رضي الله عنه – أنّ رجلًا قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: أَخْبِرْني بعملٍ يُدْخِلُني الجنةَ، قال: ما له؟ ما له؟ وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَرَبٌ ما له، تَعْبُدُ اللهَ ولا تُشْرِكْ به شيئًا، وتُقِيمُ الصلاةَ، وتُؤْتِي الزكاةَ، وتَصِلُ الرَّحَمَ، فيُظهر الحديث أنّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قد قرن صلة الرحم بعبادة الله التي ترتبط بالناحية العقائديّة، والصلاة والزكاة اللتين تُمثلان جانب العبادات، فكانت صلة الرَّحم مثالًا حيًّا على المعاملات، بل من أهمها، إذ أشار النبي لأهم الجوانب في الإسلام على الإطلاق لدخول الجنة وهي: عبادة الله دون شريك، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصلة الرحم.

صلة الرَّحم طريقٌ لرضا الرحمن: فعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله: إن الرحم شُجْنةُ متمِسكة بالعرش تكلم بلسان ذُلَق، اللهم صِل من وصلني واقطع من قطعني، فيقولُ تبارك وتعالى: أنا الرحمن الرحيم، وإني شققت للرحم من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن نكثها نكثه، فمن وصل رحِمه رضي الله عنه ووصله كما وصلها، ومن قطعَ رحمه وأساء معاملتها كبَّه الله وسخط عليه.

إضافةً إلى ذلك، من أهم أسباب دخول الجنة صلة الرحم: فعن عبد لله بن سلام – رضي الله عنه – قال: لمَّا قدِمَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ المدينةَ انجفلَ النَّاسُ قبلَهُ قالوا: قدِمَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّم. فجئتُ لأنظرَ فلمَّا رأيتُهُ عرفتُ أنَّ وجْهَهُ ليسَ بوجْهِ كذَّابٍ. فَكانَ أوَّلُ شيءٍ سمعتُهُ منْهُ أن قالَ: يا أيُّها النَّاسُ أطعِموا الطَّعامَ، وأفشوا السَّلامَ، وصِلوا الأرحامَ، وصلُّوا باللَّيلِ والنَّاسُ نيامٌ، تدخلوا الجَّنَّةَ بسَلامٍ.

ألا نضِيع الوقت في العَبث الّذي لا طائل منه؟ كيف بإمكان رسالة إلكترونية أن تعوض ذاك دفء الحب، سند العائلة والتحلق حول مائدة الطّعام؟ كيف تزداد الأُلفة وتقوى المحَبّة؟

إننا نأسف لليتامى والعجزة الذين ينتَظِرون منا لحظة صدقٍ وحُب، ونأسفُ لأولئك الأصدقاء الذين كانوا في انتظار عناقٍ لشدّة افتقادهم لنا، ولذاك الصباح الجميل بتبريكاته الذي كان ينتظر ابتسامة من الأمّهات والآباء حينما يُشرق من عيون أطفالِهنّ بالملابس الجديدة، لكن أسفنا أكثر لأولئك المحرومين والفقراء والمتخلى عنهم وذوِي القلوب التي تكور نفسها على نفسِها لأنها تفتقد بشدّة لحُضن أحدِ الأقارب.

فحِري بنا أن نضعَ النقاط على الحروف ونُدركَ أن قطيعة صلة الرحم معصِية ومن كبائرِ الذّنوب، ونَحدّ من الرسائِل الإلكترونية المتكررة التي طمست معالم هذه الصّلة ووسّعت الهُوة بين الأقارب وفترت العلاقاتِ الأُسرِية.

قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

 شكرٌ خاص للصديقة نادية لاقتراحها للموضوع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد