1,141

سمعت عن رحمة أبي بكر وعن عدل عمر وسماحة عثمان وشجاعة علي وحلم معاوية، وكنت أطوق إلى رؤية حكامنا وهم يجسدون هذه القيم، العدل والسماحة والشجاعة والحلم والرحمة، وكنت أطوق إلى رؤية حكامنا وهم يمسحون دموع اليتامى، ويداوون جروح المرضى، ويساهمون في إطعام الفقراء، حكامٌ لا يحتاجون إلى جيوش تحميهم من شعوبهم، ولا إلى قصور وحصون تواريهم عن أعين المواطنين، غير أني فقدت حلمي الوردي واستيقظت على واقع مظلم بئيس، وتحول الحلم البريء إلى كابوس مخيف، هم يقتلون شعوبهم، ويسرقونهم ويطاردونهم، حكام يغلقون آذانهم عن سماع أنين شعوبهم، حكام بقدر ما يتعالون على شعوبهم تراهم يتقربون ويتذللون إلى تلك الدول العظمى من نظرهم، ويقدمون لهم قرابين الولاء والطاعة، ويتسابقون إلى نيل رضاها.

كُنّا ونحن صغار إذا رأينا طائرةً نلوح بأيدينا، ونحلم ذات يومٍ أن نركب طائرة، لكنّ أطفال سوريا لايكرهون شيئًا كما يكرهون سماع دوي الطائرات تحلق في سمائهم، لأنها باتت تحمل إليهم الموت والدمار والكوارث.

يا حكام العرب، رسالةٌ من شاب ضاع مستقبله على أيديكم، من طفل قُتِل أباه في حكمكم، من أمٍ اغتصبت ابنتها أمام عينيها واستبيح عرضها، بالرغم من أوجاعهم يتمنون لأمتهم العربية صبيحة يوما يزدهر فيه الأمل وتولد فيه الحرية، وتتحد فيه بلادهم العربية، يا حكام العرب، لماذا تتحد 28 دولة لا يجمعهم دين واحد ولا لغةٌ واحدة وثقافاتهم مختلفة؟ بينما 22 دولة عربية بها لغةٌ واحدة ويؤمنون برب واحد ومع كل هذا يطغى عليها الشقاق والخلاف؟ احذروا يا حكامنا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: اللَّهُمَّ مَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ. يا حكام العرب إما أن تنحازوا لمطالبنا فنحملكم فوق رؤوسنا، ونذكركم بكل جميل كما ذكر أسلافنا صلاح الدين ونور الدين وابن تاشفين، وإما أن توالوا أعداء ربكم من أجل حكمكم وأموالكم، ولن تدوم لكم، حينها سندهسكم بأقدامنا. تذكروا جيدا من كان يلقب نفسه بعميد حكام العرب وملك ملوك إفريقيا، كيف كانت نهايته؟ وأين هو الآن؟

عبارات تعلقت في ذهني حينما غادرت بلادي بحثا عن قوت يومي في بلادي العربية، شعرت بالغربة والوحشة بين أبناء عروبتي، تساءلت: لماذا حكم علينا بالمعاناة والفرقة والوحدة؟ يا حكامنا، هل يؤلمكم ما يؤلمنا؟ هل تشعرون بما وصلنا إليه؟ هل ستقدمون تعويضا عن كل ما حدث لنا؟ عن كل من دفع ثمن أخطائكم في الحكم، أم أن هذا لا يعنيكم، حين تمرون بشوارعنا القذرة، هل تشعرون بفقرائنا الذين لا يقدرون على إطعام ذويهم، بمرضانا الذين يموتون أمام المشفى ولا يقدرون على دفع الأموال لعلاج أنفسهم، بأحرارنا الذين سُجنوا ظلم في سجونكم، بشهدائنا الذين فاضت دماؤهم الطاهرة لتحافظوا على عروشكم، بشبابنا الذين تحطمت آمالهم وتشوهت ملامح مستقبلهم، ولا يقدرون على زواج أنفسهم، بآبائنا الذين لا يقدرون على عفة بناتهم بسبب الغلاء، بعروبتنا التي راحت ضحية كبريائكم وظلمكم، بديننا الذي صار موطئ أقدامكم، بأقصانا الذي بات يُسلبُ يومًا بعد يوم من أيدينا، أم أنكم تسعون فقط وراء مصالحكم الشخصية والسلطة والمال، إلى متى سنظل طوع إرادتكم!

فرّقتم شملنا بجهلكم، وأرهقتم جيوشنا بخوفكم على سلطانكم، وزرعتم الضغينة بيننا وبين أبناء عروبتنا، أجيبوني يا حكامنا! هل مازال للأقصى مكان في مباحثاتكم، هل مازال اليمن سعيدا؟ هل مازال جيش سوريا والعراق قويًا كما كان ؟ لماذا قسمتم السودان ودمرتم ليبيا وتخاذلتم عن أفغانستان وبورما ولبنان؟ هل ما زالت مصر بلد العروبة بلد الأزهر والعلماء بلد الأمن والأمان، أم مازالوا يتفاخرون بحضارة السبع آلاف عام ويختلفون على من بنى الأهرامات، أهم الفراعنة أم قوم عاد؟

عندما نتظاهر ضد ظلمكم تقولون: بأن طاعة ولي الأمر واجبة (فهل أنتم ولاة أمر حق؟ أم ولاة ظلم وفساد!) وعندما يتكلم الشريف فينا عن ظلمكم وبطشكم بكلام الله ورسوله تأمرون بفصل الدين عن دولتكم!

أين أنتم يا علماء السلطان، نسمع أصواتكم تنادي بالحلال والحرام، وحين يغتصب الأقصى وتسفك الدماء ويسجن الشباب، يتوارى كلٌ منكم كالجرذان في مخبئه، وحين نسألكم ونلومكم تقولون بأنها فتنة ويجب السكوت فيها، فصّلّتم الدين على مقاس حكامكم يا مشايخ الوقت، نعم أنتم، تعرفون أنفسكم وجميعنا يعرفكم، فلن أُنجّس لساني ويدي بذكركم.

لي ولكم ولنا جميعًا، لماذا تثورون الآن وتنادون: الأقصى الأقصى الأقصى، هل كان الأقصى محررًا بالأمس وأنا لا أعلم! هل كانت فلسطين في صبيحة الثلاثاء الماضي محررة من العدو الغاشم وأنا لا أعلم! هل فعلتم شيئا لنصرة الأقصى غير عبارات تكتبونها على مواقع الإنترنت وأنتم تجلسون على كراسيكم الدفيئة أمام التلفاز في أحضان زوجاتكم وأمهاتكم، صرنا جهلاء عن أقصانا الحبيب لدرجة أننا ننشر صورة قبة الصخرة على أنها الأقصى ونحن لا نعلم، نزلنا في الميادين وهتفتم: شهداء بالملايين على الأقصى رايحين. وأنتم في صلاة الفجر نائمون!

أفيقوا يا شبابنا، أفيقوا يا رجالنا ويا نساءنا ويا أطفالنا، أفيقوا يا حكامنا بالله عليكم وتذكروا كلام نبيكم: يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السَّيل، ولينزعنَّ الله مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوَهَن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْن؟ قال: حبُّ الدُّنيا، وكراهية الموت.

واعلموا يا حكامنا أنكم مهما زرعتم الجهل والخوف في قلوبنا، سنقاتلكم بأحلامنا، وستظل بلادنا أبيّةً، وستتحد عروبتنا، ونرفع رايتنا، وتصحوا كرامتنا، ونسترد أقصانا، لأن هذا وعدُ ربنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك