للأسف الشديد؛ لا زالت نظرتنا المتوجسة للنظام العالمي تُغشي محاولاتنا للفهم والنقد، ربما لأننا رهينة تصور غالٍ، وهو أن القوى الكبرى  تنسج ــ حصرًا ــ خرائط الأحداث، وفق مصالحها وأجنداتها، وهو في الحقيقة تصور ليس خاطئًا بالكلية.

فمثلًا يقول المفكر الأمريكي «نعوم تشومسكي» «أمريكا ما زالت قوة عظمى، وهي قادرة على التأثير بالأحداث، لكنها ليست دومًا قادرة على تحريك الأمور عبر حبك مؤامرات، هذا حقًًا أكبر من طاقتهم».

ومثلما تشكل المنظمات الدولية الحكومية المقدرة بـ(38000) منظمة شبكة واسعة في هذا النظام، فإن منظمات دولية أخرى مستقلة تلعب دورًا مهمًا فيه أيضًا، وهي مقدرة في إحصاء 2015 بـ(30000) منظمة، وإذا كانت المنظمات الدولية الحكومية يمكن أن تَستثمر و/أو أن تُستثمر؛ للتأثير والتوجيه، فإن المنظمات المستقلة استثمرت عوامل المعرفة والكفاءة والشفافية والمهنية؛ للعب دور، صار لا يقل أهمية عن تلك الرسمية؛ فالوثائق الاستراتيجية لكثير من الدول والشركات الكبرى باتت تستوحي استشرافاتها عن تقاريرهذه المؤسسات ودراساتها، كما أن تقرير التنافسية العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي كمؤسسة مستقلة غير ربحية يُعد وثيقة معتمدة لدى الدول والمؤسسات والشخصيات بمختلف اختصاصاتها.

 

يُمثل تقرير التنافسية العالمي ورقة نقدية لحالة التنمية في الدول؛ من حيث قدرتها على خلق واستغلال إمكانيات تحقيق النمو والرفاهية لمواطنيها بالحصول على معدلات إنتاجية كافية، ويعتمد لذلك على قياس اثنيْ عشر مؤشرًا هي: الإطار المؤسسي، البنية التحتية، بيئة الاقتصاد الكلي، مؤشر الصحة والتعليم الابتدائي، التعليم العالي والتدريب، كفاءة سوق السلع، كفاءة سوق العمل، مؤشر تطوير أسواق المال، مؤشر الجاهزية التكنولوجية، مؤشر حجم السوق، مؤشر تطوير بيئة الأعمال، مؤشر الابتكار.

 

وإذا كان للعالم الأول مؤسساته البحثية والرقابية، الرسمية والمستقلة، التي قد تغنيه عن مثل هاته التقارير، فإننا في العالم الآخِر أشد حاجة  لها؛ للوقوف بموضوعية أكثر تحررًا من القيود السلطوية، ونزعات الخصومات السياسية والأيديلوجية، وهي شفافية مجانية، لا أقل من أن نستأنس بها للتقويم، وفي دراساتنا وخططنا المستقبلية. وعلاوة على أن تقرير التنافسية في الحديث عن سياسات و اقتصاديات الدول يُقدم شهادة موثوقة لفشل حكومات، فإنه في المقابل يمنح شهادة قوية لنجاح آخر، وإذ إننا ملزمون بدراسة الإنجازات والنجاحات، فإننا ملزمون أكثر بالوقوف عندها حين تكون الأحدث، ومجبرون حينما تكون عربية.

 

وفق آخر تقارير التنافسية العالمية 2015 صُنفت «قطر» في نادي العشرين الأوائل؛ من حيث الإمكانات والسياسات التنموية، حيث احتلت الرتبة 14 من بين 141 دولة حسب التصنيف العام، متقدمة على دول «فرنسا، بلجيكا، أستراليا، الصين، نيوزيلندا، ماليزيا، الكيان الصهيوني» ودول متقدمة أخرى، وإن كان هذا الترتيب لا يعني أفضلية الاقتصاد، فإنه يعني أفضلية بيئته وعوامل نموه، وهو ما يرتبط أساسًا بسياسات الحاكم ورشاده قبل المصادر الريعية، يحقق هذا بشكل دقيق محور متطلبات الاقتصاد الأساسية؛ إذ رُتبت قطر خامسة، قبل الولايات المتحدة واليابان وألمانيا، ومؤشر الصحة والتعليم الابتدائي تاسعة، قبل الدول المذكورة آنفا، بالإضافة إلى بريطانيا، وكذا في المرتبة الثانية عشرة على مؤشر التطوير والابتكار.

 

يربط المتربصون وقصيرو النظر إنجازات دولة قطر بوفرة الثروة المقابلة لقلة النسمة، وقد جهلوا أن ضعف «الديموغرافيا» عامل معيق للنهضة، تغلب عليه القطريون باستجلاب الكفاءات والعمالات، وتجاهلوا أن دولًا أخرى لها من الثروات المتنوعة أكثر مما تمتلكه قطر بكثير، ولم تنجز بعضًا مما أنجزته دولة لا تتعدى مساحتها 12000كم مربع، ولايتعدى سكانها المليونيْ نسمة. فالإنجازات الباهرة لا تُحقق إلا من خلال قيادة راشدة وإدارة ناظمة. والحاكم الراشد هو الذي ينطلق من الرعية بالرعية؛ نحو الرعية، فالإنسان هو محور رؤيته وتخطيطه وتنفيذه وتقييمه، وهذا ما بدا واضحًا في السياسة القطرية داخليًا وخارجيًا منذ تسعينيات القرن الماضي، وأكدته رؤية قطر 2030 في 2008.

 

لقد أثمرت فلسفة القيادة القطرية «جعل الدولة في خدمة المواطن، ولم يجعل المواطن في خدمة الدولة»، تحقيق معدلات مرتفعة جدًا في التنمية البشرية، بمؤشر 0,850 في تقرير 2015 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ إذ رُتبت الأولى عربيًا، و 32 عالميًا من بين 188 دولة، وهي بالتأكيد ليست فلسفة نفعية محلية تهمل العمق الهوياتي الأممي لامتداد شعب قطر، بل هي رؤية استراتيجية تؤمن بالإنسان العربي المسلم، كالإنسان القطري، وهو ما تعكسه سياسات قطر الإقليمية والدولية.

 

وإن كان من حق قطر ابتكار عوامل تأثير تُؤَمِّن لها موضعًا في عالم التدافع هذا، فإن هذا التموضع لم ولن يتعالى عن الإنسان الفلسطيني واللبناني والصومالي والمصري والشيشاني، بل يُؤمِّنه ويُؤْمن به، وآثارالأيدي القطرية طرية وجلية، تدعم قطر القضية الفلسطينية سياسيا ولوجستيا؛ فهي الدولة العربية الوحيدة التي أوفت بمبلغ 200 مليون دولار لصندوق دعم القدس المؤَسس عربيًا ذي  غلاف المليار دولار، وهي التي تدعم المحاصرين في غزة، واستقبلت قيادات المقاومة حين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وساهمت في إعمار جنوب لبنان، بعد تدميره من قبل العدو الصهيوني، وهي التي توسطت لحل النزاعات في كذا دولة، وانحازت إلى خيارات الشعوب في الثورة على الاستبداد، وهي مقصد لكل ملهوف مظلوم.

 

كل هذه الإنجازات والعطاءات تُلقيها قاعدة «السيسلية» العسكرية في سلة المهملات عند البعض، فقطر عندهم دويلة صغيرة يجب أن تقوم بما لم يقم به الكبار، لا يعني هذا أننا نتفهم وجودها، لكننا نفهم أنه تجل لضعف الأمة العام وتشتتها، وهو ليس حالة سياسية يمكن فصلها عن الحالة الحضارية للأمة ككل، بدليل أن الذي لا يدفع الضريبة بقاعدة عسكرية فهو يدفعها قاعدة سياسية أو اقتصادية أو أمنية، والشركات الغربية الأمنية والاقتصادية تشكل عشرات القواعد في الدول العربية والإسلامية، فإن كانت قطر قد وقعت في هذه، فقد أفلحت في أولئك.

 

قاعدة السيلية والشركات النفطية في الخليج، والشركات الأمريكية والفرنسية في الجزائر، والقواعد العسكرية الروسية في سوريا، والمساعدات الأمركية لمصر، بل حتى الاتفاقات المُكبلة لاستقلال القرار كـ«كامب ديفيد»، بين مصر والصهاينة والعقود الروسية الإيرانية في البرنامج النووي الإيراني أو الاتفاق النووي بين الغرب وإيران، كلها نتاج ضعف الأمة وتخلفها وارتهانها للرجل الأبيض، وهي شكل من أشكال الاستعمار الحديث، وسبيل التحرر منها هو تحرير الإنسان العربي وتكريمه وإنصافه والاهتمام به.

 

لا ريبة في قطر ولا يُخشى عليها؛ إلا إذا انقلبت على فلسفة الانحياز للإنسان بسياساتها وإعلامها، والحقيقة أنها خشية راودتني عندما تساءلت ابنتي إكرام «أين قناة «ج» يا أبي؟»، وهي قناة تربوية تثقيفية تسلوية للناشئة، محافظة مفيدة، كانت تتبع شبكة «الجزيرة» ثم شُفرت لتُلحق بمجموعة bein، وإن كان بالتأكيد للقرار حيثياته الإدارية والقانونية، إلا أن تهمة التّربح تلصقه، فإذا كنا نتفهم تشفير القنوات الرياضية كونها تسلوية بالمقام الأول، فإننا لانتفهم أبدا هذا الإجراء على اعتبار أن قناتيْ «ج» وبراعم تربويتان تثقيفيتان بالدرجة الأولى.

 

إذا كانت قطر قد نجحت في توفير تعليم متفوق، وعلاج متقدم لأبنائها، فلا تحرم أطفال العرب الفقراء مما يعتبره أولياؤهم فائدة تغني عن السيئ المتاح، والإنسانية في معناها الأعمق هي الطفل.

أتمنى أن تجد ابنتي إكرام جوابًا شافيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد