يتساءل البعض أحيانًا عن الفساد من أين يبدأ؟ ومن السبب في جعله يستشري في كافة مفاصل الدولة بل ويتعدى ذلك إلى المجتمع؟ وكيف يمكن القضاء عليه؟

حاولت في هذه المقالة أن أجيب على هذه التساؤلات وأنا أستحضر ما قاله تعالى على لسان فرعون مخطابًا قومه «ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد» في هذه الآية القصيرة دلالات سياسية كثيرة يمكننا استنباطها منها، تدلنا على ديدن الطغاة في كل زمان ومكان.

في مقولة فرعون يتجلى لنا عزوفه عن الشورى واستبداده برأيه لأنه يرى أنه لا يخطئ وكل أفعاله وأقواله صواب وأنه لن يهدي قومه إلا سبيل الرشاد والطريق النافع!

وعندما يقول أحدهم «ما أريكم إلا ما أرى» فهو يصادر التفكير ويدعو قومه إلى أن يكونوا أتباعًا وجهلاء وعبيدًا؛ لأن سيدهم الحاكم هو من يعرف كيف يدبر أمورهم وشؤونهم.

وبرأيي تلك المقولة توازي ما قاله لويس الرابع عشر «أنا الدولة والدولة أنا» فهو بذلك اختزل الدولة بما فيها من عناصر بشخصه فقط، فأنا عندما بدأت بفرعون لمناقشة الفساد لأني أخص الفساد السياسي الذي أعتقد أنه عندما يكون في الدولة فساد سياسي فهذا كفيل بأن يمتد الفساد بكافة أنواعه، واستوقفتني مقولة لكونفوشيوس يقول فيها «إذا صلح القائد فمن يجرؤ على الفساد؟» جاءت مؤكدة لما ذهبت إليه من أن الفساد السياسي يبدأ بالرأس نزولًا إلى الأسفل.

وبما أننا عرفنا من أين يبدأ الفساد السياسي؟ لابد أن نعرف ما المقصود به؟

فالبعض يعرفه بأنه

1-«خروج عن النظام والقانون بعدم الالتزام بهما أو استغلال غيابهما من أجل تحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية للفرد أو للجماعة».

2-بأنه «إساءة استخدام السلطة العامة (الحكومية) لأهداف غير مشروعة وعادة ما تكون سرية لتحقيق مكاسب شرعية».*

تعريفي الشخصي للفساد السياسي

بأنه عدم التزام الحاكم بواجباته وفق ما أمره به الله – عز وجل – تجاه الرعية تلبية لمصالحه الخاصة وبذلك يكون قد ضيع الأمانة وتعدى مجرد التقصير.

قال الرسول – صلى الله عليه وسلم – «ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة».

عندما يستبد الحاكم برأيه تغيب معه حرية الرأي والتعبير والتفكير والإبداع ويحضر القمع والظلم ويحارب كل مصلح، إذ إنه ليس من مصلحة الحاكم أن ينتشر الوعي وحب الإصلاح والنصح والتغيير للأفضل، ولا يسمح لمن كان يحمل شعار النهضة بالإنسان أولًا ويحلم بما هو أبعد من الركض خلف لقمة العيش، فمكانه خلف القضبان.

ليس من مصلحة الحاكم الذي لا يفكر سوى بمصلحته وبقاء كرسيه بأي ثمن والذي جعل النظام السياسي يتسم بالأوليجاركية والديكتاتورية أن يكون الشعب حُرًّا له الحق بإبداء رأيه وبالمشاركة السياسية الفعالة، وحاكم كهذا يصبح لزامًا عليه أن يحارب كل عالم يتقي الله ولا يخشى فيه لومة لائم، وأن يجعل التعليم موجهًا وأن يجيش كل ما في الدولة لخدمته ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، يريد من كل مواطن أن يجعله كالإمبراطور الذي وصفه أدولف هتلر في كتابه «كفاحي»: «كانت عيوبنا الخلقية تتجلى أكثر ما تتجلى في مسلك رجالاتنا حيال الإمبراطور، فكل ما ينطق به صاحب الجلالة هو قول منزل لا يقبل الجدل وهذه الزلفى هي التي أطاحت بألمانيا ولم توفر العرش».

«المستبد يتحكم بشؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المتعدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبته».**

ولكن لو كان المجتمع هو الفاسد والحاكم هو الصالح، هل سينتشر الفساد ويطال رأس السلطة؟!

بما أن الحاكم صالح وحكمه رشيد سيحاول جاهدًا أن يحافظ على المجتمع ويرعى الرعية كما أمره ملك الملوك – عز وجل – وسيكون الناصح والأمين، ولكن للأسف ما تعاني منه الشعوب في دول العالم الثالث هو استبداد الحاكم وابتعاده عن الحكم بالعدل.

كيف يمكن القضاء على الفساد السياسي؟

بما أننا نتحدث عن الفساد السياسي دون سواه، نستطيع أن نقول عندما يصبح الحاكم عصيًا على النصح ويأبى التغيير للأفضل ويصم أذنيه عن سماع كلمات الحق ولا يقبل إلا سماع رأيه، عندها لابد من اجتثاث الحاكم واستبدال الأكفأ به.

—————————————-

*ويكيبيديا.

**(الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفساد
عرض التعليقات
تحميل المزيد