كثير من النقاشات الفكرية التي أخوضها مع أشخاص ينتمون لأيديولوجيات مختلفة؛ تظهر بشدة أن غالبيتهم قد أثر فيهم مرض واحد، وهو «الأيدولوجي فوبيا».

فمن لا ينتمي للتيار الإسلامي، يضع جميع من ينتمون لهذا التيار في بوتقة واحدة، بل ينشئ أحكامه ومواقفه على جميعهم؛ انطلاقا من هذه البداية الباطلة، وكذلك يفعل الإسلاميون.

والبعض ينشئ نقاشه على عاطفته الفكرية والمذهبية، فتراه يبحث عن معاذير لجماعته وتياره وهو ينقدهم، في الحين الذي لا يبدي أي تعاطف ولا تفهم لمخالفات المخالف، ثم يختم النقاش بتلك المقولة التي يختفي خلفها كل من لا يريد تحقيق الحقيقة، فيقول: جميعنا أخطأ، وجميعنا يستحق العقاب!

والحقيقة أن هذا عند التحقيق باطل وملفق..

فهناك فريق لم يرتم في أحضان الفلول وقت أن ارتمت فيه تيارات وأحزاب عتيقة لامت غير المرتمين في أحضان الفلول بالسذاجة السياسية! وهو هو ذات الفريق الذي حرم إراقة الدماء المعصومة في محمد محمود، ومجلس الوزراء، كما حرمها في رابعة والنهضة وما تلاها من مجازر.

فريق فرّق بين الخطأ والجريمة، وبين المعارضة والفُجر في الخصومة، ذلك الذي مارسته جماعات وأحزاب وشخصيات تدعي اليوم الحكمة، ويدعي أنصارهم بأنهم لم يحوزوا الفرصة، أو يفوقوا أفهامنا بسنين ضوئية، بالرغم من أن بعضهم يعيش في كهوف تويتر منذ سنوات.

ذلك الفريق الذي كان له أنصار في كل تيار، والذي هتف منفردا حتى بح صوته: عسكر كاذبون، ولا للفلول، والثورة مستمرة، بلا مصلحة أو تلون أو ألعاب سياسية قذرة.

كانت الثورة

وكان معها الحلم الجميل­­­­ فى التغيير والإصلاح، كانت تقودنا بكرا، وكان الجميع من حولها أبكارا، حتى شنع النظام عليها بأنها بغي، كما شنعت اليهود على البتول مريم تلك الفرية من قبل.

بدأ البعض في التصديق، بالرغم من أنه لا بينة سوى الأخبارالمجردة عن كل دليل، تلك التي قالت من قبل على الأنبياء كذبة، وعلى المعارضين خونة، والتي يستطيع بمثلها جارك الكاره أو عدو لك أن يقول فيك ما ليس فيك، فيشيع بين الناس بأنك لص أو قاتل، أو تعشق اللواط!

ولن يصدق هذا إلا قوم فاسقون

كان هذا في الناس، أما في الأحزاب والحركات والتيارات، فكانت تلك القيادات وذلك الصف الذي يصدق الشائعات الصلعاء على (فنانين وفنانات ورؤساء تيارات منافسة)، فقط لكونهم فساقًا أو أعداء للتيار، وأولئك الذين كانوا يلوكون الشائعات الركيكة عن (مشايخ ودعاة، ورؤساء التيارات المخالفة)، يمضغون لبان تلك الشائعات ويخططون بشأن التوابع، بالرغم من أن كليهما وقت الحاجة يستدعي آيات وأحاديث ومأثورات حول التثبت والتبين وإظهار الدليل، لكننا ابتلينا بقوم يحسبون التحليل بيانا، والظن يقينا، فكيف إذا كانت تلك الشائعات والظنون من بنات أفكارهم؟!

حتى قال بعضهم لي يوما بعد أن نهيته عن ترويج إحدى الشائعات التي بان كذبها على منافس لهم في الانتخابات الرئاسية: نعلم أنه كذب، لكن ترويجه مفيد!

بدأت المفاوضات السرية مع النظام

ومعها بدأ النظام في بث جنود من الخائنين والمرجفين بيننا، كان بعضهم مدركا لهذا الدور، مرحبا به، والبعض الآخر ساذجا حتى النخاح.

ثم توالت الأحداث، حتى وصل حال الثورة اليتيمة إلى تلك الحال التي ترى، فأين أخطأت الثورة، وأين أصابت الجماعة؟

أخطأت الثورة

حين استهلكت قوتها خلف كل شرك نصبه لها النظام، فالنظام دوما ينصب الشرك ليأخذ اللقطة التي يبرر بها للجماهير الخائفة ويقودهم، كما حدث في مجزرة مسجد الفتح، فقبل المغرب بقليل، خرج شخص ملثم يرتدي قناعا أسود، وفي يده رشاش أمريكي من خلف الجماهير، وانطلق صوب قسم الشرطة الذي كان يطلق منه ومن سيارة مجهزة بجواره الرصاص الحي على المتظاهرين، فهلل المتظاهرون لهذا الملثم ذي البندقة، والذي بدا كالمخلص في نظر البعض، وقتها قلت لصديق لي: هذه بداية النهاية. وقد كان.

فبعد أن أطلق الملثم النار صوب قسم الشرطة، أخذ النظام اللقطة بأن المتظاهرين مسلحون، بالرغم من أنه لم يكن بين المتظاهرين من يحمل سكينة مطبخ، فيمهد بهذه اللقطة الطريق أمام التبرير في استخدام القوة المسلحة التي كانت تمارس حتى قبل وصول الملثم.

ولن تطرح الجماهير المشاهدة، كما لم تطرح الجماهير المتظاهرة، أسئلة مثل:

– كيف وصل الملثم إلى تلك المنطقة المطوقة أمنيا برجال الشرطة والقناصين والطائرات الهليكوبتر، دون أن يلحظه أحد؟

كيف ترك المواطنون الشرفاء ورجال الأمن الملثم يمر، بالرغم من أنه لم يكن يخفي السلاح أو اللثام أو حتى يرتدي لباسا يستطيع به إخفاء السلاح، بل لم يأت بسيارة ألقت به بين الجماهير، ولا من طائرة هليكوبتر، كأفلام الأكشن والإثارة، بل كان الملثم راجلًا، يمشي مطمئنا، فمطمئنا أتى، ومطمئنا ضرب، ومطمئنا عاد إلى قواعده سالما؟

وكم استهلكنا النظام فى أحداث مفتعلة، كان الواجب فيها على الثوار ألا يذهبوا إليها منفردين بلا خطة أو هدف مقبول، أو مدعومين من شريحة عريضة من الجماهير، بل بعض الأحداث كان واجبا على الثوار ألا يخرجوا فيها أبدا، لكن البعض كان يستجيب لنداءات الكتائب الإلكترونية التي وظفها النظام للضغط على من يستجيب للضغط الانفعالي، فكان الجالسون خلف الشاشات يقودون الثوار للمحارق، ثم يزايدون عليهم بعد العودة من أجل أن يقودوا من تبقى لمحرقة جديدة.

وأخطأت الثورة، حين رفع الثوار ألوية كثيرة، أهدافها مشتركة وملتحمة مع الثورة، لكن تاريخها وأيديولوجيتها مختلف، فانضم كل فريق تحت اللواء الذي يمثله هو 100%، ليخسر 100%، بالرغم من أنه كان يمكن أن ينضم تحت لواء يمثله بنسبة 70%؛ ليفوز 100%، لكن يأبى البعض إلا التشرذم أو القيادة منفردا، كمثل من ذهب ليطفئ نارا اشتعلت في عقار من عشرة أدوار، بأداة لا تكفي لإطفاء حجرة في دور، بل وقت الإطفاء قال بعضهم: نبدأ بالدور الأول، وقال آخرون: بل بالدور العاشر، وقال ثالث ورابع، وظلوا مختلفين، حتى أتي العقار عن آخره، وهم ما يزالون في هذا الجدال العقيم.

وليس مقصودي من الالتفاف أو التجمع أو التوافق مجرده، بل البحث عن أولى الأولويات، وما هو المطلوب والممكن والمتاح، وأين الهدف والبوصلة، ومتى نتجاوز خلافاتنا التي لن تنتهي يوما، وأين الخطوة التي تحقق لنا بداية ناجحة، لا النصر الذي يتحقق في الأفلام وأحلام اليقظة وفتاوى الدراويش، فما زال البعض يتحدث لليوم عن الرئيس الغائب والانقلاب الذي يترنح، وعن النظام الذي على وشك السقوط ، بل بعضهم ما زال يهذي ويقول: إن الشعب اليوم على أحر من الجمر لهتاف الثورة، بالرغم من أن الجماهير لا تعرف عنهم سوى ما يخبرهم النظام به!

وأخطأت الثورة، حين التف الثوار خلف كل ناعق باسم الثورة، فرفعوا أسماء ما كان لها أن ترفع قبل التحقق بشأنها وما تريد، فشوهت الثورة والثوار في وجه الجمهور، وهو ما يحدث اليوم ويتكرر مع كل من يخرج ليحدث الجماهير بأنه ضد الانقلاب؛ فيفسد ويدمر، وبالرغم من أن بعضهم مجرد مخبرين مفضوحين، لكن ما تزال هناك شريحة عريضة تدافع عنهم وتدفعهم للقيادة، وما كان هذا ليحدث، لولا أن الثوار لم يكن لهم طريق معلوم، ولا خطة مرسومة، بل كانت تقودهم الحماسة، وتلهبهم الشعارات، دون دراسة لما يملكون، وما يمكنهم تحقيقه، أو حتى مدى صحة أو صواب تلك الشعارات والمقالات والأفكار التي روجها ومازال يروجها مروجو المخدرات الفكرية.

وأما الجماعة

فقد أصابت حين أعلنت عدم ترشحها لانتخابات الرئاسة، ثم أقسمت وغلظت الأيمان، ثم وعدت من بعد القسم أن لا رجوع عن القرار، لكنها سرعان ما تراجعت ونكثت عهدها، ولم يكن الغرض هو حماية الثورة أو مقدراتها، فمن تفاوض مع مبارك وقت أن كان الناس في الميدان على الخروج، دون أن يدرى سواهم بهذا. ومن دافع ودعم ترشح عمرو موسى، ثم عرض بنفسه الدعم على عسكر سابقين، بالرغم من وجود شخص مستقيم المنهج، ثورى الحمية على قبة المترشحين، يكذب حين يقول مثل هذا الهراء الذي لا يصدقهم فيه سوى (مجاذيبهم).

وأصابت الجماعة حين قالت بأنها فازت في انتخابات الرئاسة عن استحقاق، لكنها كذبت ولا سبيل لاستخدام لفظ آخر، حين قالت إن هذا النصر صنعه فريقها؛ لأن فريقها قبل هذا الفوز لم يحرز غير أصوات ملايين خمسة، كانوا هم الصف والمحبون والدوائر الواسعة والضيقة حول الجماعة، وما كانت الجماعة لتحرز هذا الفوز، لولا أن قدر الله بأن يعلن كثيرون من فريق الثورة عصر الليمون من أجل انتخاب رئيس لا يؤمنون به، لكنهم كانوا يرونه البديل الحتمي لمرشح النظام السابق، وكم كلف هذا الموقف الثوار كثيرا!

وأصابت الجماعة حين قالت بأنها خدعت من النظام القديم، لكنها نسيت بأن تخبر الجماهير أنها ارتكبت نفس الخطايا التي ارتكبتها مع ذات الفريق في الماضي، بل نقلتها نقل مسطرة، بالرغم من التحذيرات والتنبيهات التي قيلت لهم، وكنت واحدا من الذين كتبوا في هذا خمس مقالات قصار، لكن القيادة كانت مطمئنة لدرجة أن قال أحد القياديين لشخص أعرفه عن قرب سافر إلى أمريكا منذ شهور بحثا عن حياة جديدة، قال له القيادي حين حذره الصديق مما يفعلون، وأن خاتمة الأمر انقلاب حتمي: لا تقلق، هذه زوبعة في فنجان، ضع في بطنك بطيخة صيفية!

ولا أعرف كيف تلوك الجماعة تلك الكلمات، خدعنا، فهل كانت الجماعة تتوقع من النظام القديم أن يساندها مثلا؟! ثم من الذي بدأ التعاون مع النظام القديم، وراح يبحث عن مشتركات التلاقي، فأعطى المبررات لبعض الضعاف من فريق الثورة كي يخونوها بارتماء مماثل في أحضان النظام السابق كما فعلت الجماعة؟ ومن الذي دافع عن فواجع المجلس العسكري، ورفض كل هتاف ضده، حتى صفعته الدبابة صفعة لم يستطع أن يفيق منها حتى اللحظة؟

ولم يكن هذا اضطرارا إعلاميا أو لعبا مقصودا كما روجت الجماعة فيما بعد، بل كانت حقيقة راسخة جعلت من قياديين كبار، كمحمود عزت، يمدحون ويروجون فى جلساتهم الخاصة من يسبونه اليوم، بعد أن فرشوا له سجادة الصلاة، ووضعوا على وجهه (زبيبة) مزيفة.

ومن الذي رفض تعاون أبو الفتوح، بل أغلق الباب في وجه مبعوثة إلى اجتماع دعي الجميع له، حتى الفلول منهم، ورفضت الرئاسة استقبال ممثل الحزب؛ لتخرج بعدها الرئاسة والجماعة لتكذب، وتقول: عرضنا على أبو الفتوح رئاسة الحكومة فرفض، وطلبنا العون من الجميع، فلم يتعاون معنا أحد؟

ومن الذي دفع بمرشح ضعيف، تعلم الجماعة علم اليقين بأنه ضعيف في الواجهة؛ حتى لا ينتصر من خرجوا على طاعتها لما خانت الثقة التي منحوها لتلك القيادة التي نخر الفساد بجسدها كما نخرت الشيخوخة الفكرية والبيولوجية، فكابرت وأصرت على كبرها، بل وصل الأمر إلى نشر أكاذيب وافتراءات ضد هذا المرشح، اشتركت فيه الجماعة مع الفلول عن عمد أو عن غير عمد، وكم أرسلت وأرسل غيري لأصحاب تلك الشائعات بأن ما يطلقونه بين الناس أكاذيب، فأصروا على الترويج لهذا المنكر البين والكذب الأصلع، حتى وصل الأمر بأن يقسم بعض قياداتهم، ويقول: إن هذا المرشح سيمنع الحجاب والقرآن ويغلق المساجد! فذاع صيت المقطع، لكن قيادات الجماعة أصابها الخرس حيال المقطع المروج؛ لأن مثل هذا الكذب الأصلع مفيد.

ومن الذي روج بين جماهيره أن كل من يعارضون الرئيس هم جبهة الإنقاذ، الذين أكلوا وشربوا على مائدة اللئام، ثم تجشأوا في وجوهنا في مؤتمراتهم الصحافية، وقالوا نحن ضد الفساد والاستبداد بكل بجاحة (وتناحة) لا نظير لهما، بالرغم من أن هناك جزءً كبيرا من المعارضة وقف مع الرئيس ضد مرشح الفلول، وحاول التواصل مع الرئيس ووضع بين يديه ملفات لإصلاح منظومة الشرطة والصحة وغيرها، وساند قرارت الرئيس الصحيحة، كإقالة طنطاوي وعنان، وإقالة النائب العام، ورفضوا طريقة تعيين النائب الجديد، طلعت عبد الله، لتخرج الجماعة وتقول في كذب صريح: كل المعارضة رفضت مطلبا ثوريا، وهو إقالة النائب العام؟!

وأصابت الجماعة حين قالت بأن المعارضة لم تترك الرئيس منذ الشهر الأول.

ولكن هل كانت الجماعة تظن أنها جاءت إلى نزهة، وأن المعارضة ستهلل للرئيس وتدعم مشروعه، الذي اتضح أنه لم يكن مشروعا، بل تصورا وخطوطا عريضة، كما عرفه السيد الشاطر، ومتى كانت المعارضة تهلل للحزب الحاكم أو الرئيس؟ ومتى سكتت المعارضة على الأخطاء البسيطة للحكومة، فما بالنا بذلك العك والقيء الذي كان يصرح به الرئيس والمسؤولون والمتعاطفون والمنتمون في الصحف ومحطات الإذاعة والتلفاز وبين الجماهير كل يوم؟

ومن الذي نكص عن كل عهوده التي قطعها لجانب كبير من المعارضة، سانده وأعلن فى العلن مساندته، وكلفته هذه المساندة كثيرا، وقال للجميع: هذا الحائط فارضخوا رؤوسكم فيها، ألم يكن الرئيس بمشاورة الجماعة؟

ومن الذي اضطر مستشاريه إلى الاستقالة، وسبوا وقتها سبا شديدا لذلك، كأمثال الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، مستشار الرئيس للدراسات والبحوث السياسية، والدكتور أيمن الصياد، مستشار الرئيس لشؤون الإعلام، ورفيق حبيب، مستشار الرئيس للشؤون المسيحية، والذي عمل كنائب لرئيس حزب الحرية والعدالة وغيرهم.

ومن الذي جعل الناس تصدق كل ما كان يقال عن التيار والجماعة زورا منذ عهد عبد الناصر؟

فلم تتأثر غالبية الجماهير بدعاية كل هذه الأنظمة، ووقفت بجوار التيار وأهله، ووضعوهم في المقدمة في انتخابات واستحقاقات، حتى قضى هذا التيار بيديه على نفسه، ثم خرج ليقول هذا من صنع الإعلام، كما لو أن الإعلام لم يكن يشوه التيار والجماعة بوتيرة أكبر وقت مبارك والمجلس العسكري؟

وكما لو أن الإعلام هو من ارتكب حماقات، وأخلف وعود وكذب وكرم المجرمين وأثنى عليهم، وليس بعض قيادات الجماعة والتيار، الذين قدموا للإعلام الكاذب مادة قوية على طبق من ذهب، ليضيف عليها إعلام إبليس بعضا من مِلحه الساحر، فصدق الواقع الملموس ذلك الملح الساحر، فنفر من التيار والجماعة كثير ممن كانوا بالأمس يدافعون عن التيار، ويدفعون به للأمام من الجماهير التي تسب اليوم كما مدحت بالأمس، وظل الرئيس والجماعة يضغطون على الجماهير، بدلا عن الضغط على الفاسدين، حتى قال الناس: يبدو أن النظام والجماعة، وجهان لعملة واحدة.

وإذا كان الإعلام الكاذب المدعوم بالمال السياسي مؤثر لهذه الدرجة، فلماذا لم تنجح مليونيات محمد أبو حامد الفاشلة، التي دعمها ورعاها الفلول بكل ما أوتوا من قوة؟

وأصابت الجماعة حين قالت: إن الرئيس أُفشِل، وهذا حقيقي من جهة أن الدولة العميقة هى من افتعلت أزمات ومشكلات في عهده، ولكن:

من الذي لم يكن لديه خطة ولا طريق معلوم لمواجهة الدولة العميقة التي كان من الطبيعي أن تتحرك بهذا الشكل، المعارضة أم الرئيس والجماعة؟

ومن الذي لم يستفد حرفا من تجربة الماضي مع العسكر، أو من التجربة التركية الحاضرة، والتي وقف في وجهها رجال وتجار وجنرالات وإعلاميي الدولة العميقة، فلعبت معهم بكل متاح وممكن، حتى أنها قبلت بانتخابات مبكرة فى العام 2007 أمام مظاهرات للعلمانيين، لم تتجاوز المليون وأيدها الجيش، بدلا عن حشد عشرة ملايين لتأييد الحزب الحاكم ، المعارضة أم الرئيس والجماعة؟

ومن الذي كانت تغص غرف اجتماعاته الخاصة وقصوره بأجهزة التنصت والرصد، ولم ينتبه لها أو يأخذ احتياطا، المعارضة أم الرئيس والجماعة؟ وهو ما كان متوقعا، وتحدثت بشأنه مع بعض الأصدقاء حينها، وقلت لهم: لو كنت مكان الرجل، لجعلت هذه القصور للمراسم والاستقبالات البروتوكولية، أما وضع الخطط وإدارة الدولة، فيجب أن يكون في مكان مصنوع على عيني؛ لأن النظام السابق لابد وأنه دس قبل خروجه أجهزة للتنصت والتجسس لدراسة انفعالاتي وخططي ومواطن القوة والضعف عندي، ناهيك عن إفشال الخطط التي أرسمها إن فعلت، فيكونون على الدوام سابقين بخطوات لا خطوة، وقد كان!

وقصر الرئاسة الذي استطاع شاب عادي (كما في فيلم المندس) الدخول إليه بكاميرات مراقبة وأجهزة تجسس، كيف كانت تصنع فيه وبه أجهزة المخابرات المحلية والعالمية، لابد وأنها شاهدت الرئيس في الحمام!

ومن الذي لم يقبل أو ينتبه أو يتخذ خطوات جدية لكل التحذيرات التي أتت إليه من مخابرات دول صديقة تخبره عن الانقلاب الوشيك، المعارضة أم الرئيس والجماعة؟

ومن الذي قال عن الدبابة وقت أن نزلت للشارع لفرض أمر واقع: الجيش ينحاز للشرعية، المعارضة أم الرئيس والجماعة فى الصفحة الأولى من جريدتها الرسمية؟

ومن الذي قلص شعبيته، وهجّر جماهيره، بتصريحاته اللولبية وغالب قراراته المفتقرة لأية حكمة، المعارضة أم الرئيس والجماعة؟

ومن الذي لعب خصومه على عناده المعروف في الباطل، فرفض كل باب للحل ليس على مقاس الجماعة، أو بشكل أوضح ليس على مقاس الحرس القديم فيها وأتباعه، والذي كان آخرها باب الانتخابات المبكرة الصحيح أصلا، والمعروف تاريخيا، والمقبول سياسيا، المعارضة أم الرئيس والجماعة؟

ومن الذي كان محترفا في استعداء الحلفاء قبل الخصوم والمعارضين أصحاب المبادئ كما حدث من قبل في تلك الحكايات التي رواها العلامة القرضاوي والحكيم الغزالي وغيرهما في مذكرات، وأثبتتها وقائع حديثة مازالت مستمرة حتى يوم الناس هذا، أليس الرئيس والحرس القديم في الجماعة؟

كل هذا وغيره قامت بمثله وأسوأ منه وقتها، ومستمرة فيه لليوم، شخصيات وحركات وأحزاب تدعي الليبرالية وتتحدث عن حقوق الإنسان والديمقراطية زورا، عارضت الإخوان في الحق والباطل، استخدمها النظام وما زال يستخدمها كـ(كومبارسات) وألعاب مشحونة، تعارض أو تؤيد النظام، وفقا لرغبات النظام وأوامره، وليس وفقا لمبدأ أو أصل، أو وفقا لرؤية وتحليل أو تقدير يصيب فيه البشر ويخطئون. تقترب من المعارضة الحقيقية أو تبتعد، وفقا للمعلومات التي يطالبها النظام بجمعها، أو الخلل المطلوب إحداثه في صفوف المعارضة الشريفة.

فلا أدري متى تعترف الجماعة بالفساد الذي نخر فيها، والخطايا التي ارتكبت، ومتى تعترف المعارضة الشريفة بنت الثورة، بأنها تقود المشهد بسذاجة وحمق لا نظير لهما. ولا أدري متى يلتقي العقلاء وأصحاب المشاريع الحقيقية من الطرفين على عمل جاد، أو خارطة عمل مرسومة؛ لإنقاذ البلاد مما حل بها؟ ومتى يعرف الطرفان بأن هناك جماهير عريضة تتجاوز مطالبها أيديولوجية الفريقين؟ ومتى يعرف الطرفان أن السياسة فن الممكن، لا فن العناد؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك