تمثل ثورة سبتمبر (أيلول) أبرز حدث عرفه اليمن في تاريخه الحديث وأحد أبرز الأحداث في تاريخ اليمن والثابت الذي تجتمع عليه كل القوى اليمنية الوطنية. على مدى 60 عامًا يحيّ اليمنيون ذكرى ثورتهم المجيدة التي أنهت حقبة طويلة من الحكم الاستبدادي الكهنوتي القائم على فكرة تتنافى مع حقيقة من حقائق الكون وهي أننا خلقنا سواسية.

مر يمن ما بعد الثورة بتحديات كثيرة في سبيل تحقيق أهداف الثورة، حققوا بعضها، ونسوا بعضها، وفشلوا في أخرى. تأتي ذكرى سبتمبر هذه السنة في وقت عصيب على اليمن وعصيب على سبتمبر، فالنظام الحاكم في اليمن، وإن كان مبقيًا على الجمهورية اسمًا، إلا أنه أقرب للإمامة روحًا وعقيدةً وقولًا وفعلًا. هذه السنوات المقبلة يجب أن يكون شاغلنا أن نفهم الأخطاء التي وقعنا فيها والتي مهدت الطريق للحوثي – ممثل الإمامة الجديد – للوصول لحكم اليمن بعد أن ثار اليمنيون على أجداده. قد نحتاج في اليمن لسبتمبر جديد للعودة باليمن لطريق سبتمبر الأول، لكن دون معرفة أخطائنا وتجنب تكرارها فبعد كل سبتمبر جديد سيكون بعده حوثي جديد ونكبة أخرى. لنطرح على أنفسنا هذا السؤال: أين أخطأنا كسبتمبريين؟

• غياب الهوية السياسية 

يعد غياب الوطنية والهوية السياسية الجامعة لمكونات المجتمع اليمني أحد أبرز أسباب أزمات اليمن الحالية. تعتبر مفاهيم الوطنية والهوية السياسية القائمة على الانتماء لإقليم جغرافي أحد أهم خصائص الدولة الحديثة، حيث إن الشعوب في العصور الوسطى كانت تخضع للطرف الغالب، سواء كان داخليًا أو خارجيًا. اعتمدت الإمامة في السيطرة على اليمن على القوة لتوسيع رقعة دولتها وعلى الدين لتبرير شرعيتها، ونظرًا لعدم وقوع شمال اليمن تحت احتلال أوروبي فقد مثلت سبتمبر لحظة انتقال اليمن من دولة العصور الوسطى إلى الدولة بمفهمومها الحديثة في مجتمع لم يشهد شكل الدولة الحديثة التي جلبها الاستعمار الأوروبي لباقي الدول العربية. لم يفلح اليمنيون في تشكيل هوية سياسية صلبة صلبة وتعزيز قيم الوطنية بعد الثورة، وهو ما جعل الدولة اليمنية في الشمال والجنوب، وبعد الوحدة في جوهرها أقرب للعصور الوسطى في قالب دولة حديثة. لم تدرك المكونات السياسية والاجتماعية والمناطقية هذه المفاهيم، وظل تفكيرها منحصرًا في مصالحها الضيقة دون اعتبار للمصلحة الوطمية كما ظلت محتفظة بنفوذ وسلطة كبيرة تسعى من خلالها لتحقيق هذه المصالح. إن هذا المناخ جعل من المشاريع التي تسعى لعودة الإمامة أو تقسيم اليمن مقبولة لبعض الإطراف طالما أنها تنتفع من ورائها.

 • الاستبداد

بالرغم من أن سبتمبر كانت ثورة ضد أكثر النظم التي عرفها البشر في القرن العشرين استبدادًا، إلا أنها لم تنجح في الحيلولة دون قيام سلطات استبدادية تحت غطاء الجمهورية. تأثر ثوار سبتمبر بالأنظمة العربية التي قامت بثورات في بلدانها وكحال تلك الانظمة لم يتم الاهتمام بإرساء نظام ديمقراطي في البلاد، وتم استبدال قوى الاستعمار، أو الملكية في حال شمال اليمن بأنظمة عسكرية تحولت سريعًا لأنظمة استبدادية. لم يكن الاستبداد في اليمن عسكريًا فحسب، بل عرف طابعًا مناطقيًا وقبليًا، فقد استأثرت مناطق وقبائل معينة بالسلطة معظم سنين ما بعد الثورة. ليس هذا فحسب، بل تمكنت الأسر الهاشمية المناصرة لمشروع الإمامة والمنتمية لنفس المناطق من الاستمرار في السيطرة على مفاصل الدولة، خاصة وأنها باحتكارها الحصول على التعليم أيام الإمامة كانت الوحيدة القادرة على إدراة الدولة بعد الثورة مباشرة.

إن طبيعة النظام الاستبدادي التي وجد بعد الثورة أدى لشعور المناطق والقبائل المهمشة بالغبن والظلم وهو ما أدى جزئيًا لحالة عدم الاستقرار التي عاشتها اليمن لسنين. إن عدم الاستقرار أدى بدوره لإيجاد مناخٍ مناسبٍ للجماعات المناهضة للنظام، ومنها الجماعات المنادية بعودة الامامة للنجاة وفي حال انعدام الاستقرار للانقضاض على الدولة وهو ما فعله الحوثي.

 • التدخل الخارجي

لطالما عانت اليمن من التدخل الأجنبي وللأسف لطالما اعتمد اليمنيون على الخارج في حل مشكلاتهم، واستمروا في ذلك حتى بعد سبتمبر، وأكتوبر (تشرين الأول)، وبالرغم من مناداة الثورة بالسيادة والاستقلال فإن الحكومات اليمنية لم تضع حدودًا لدور الدول الخارجية وسمحت لها بأن تكون صاحبة القرار، أو أن تنفذ أجنداتها في اليمن. استعان اليمنيون بالمصريين لهزيمة الملكيين إبان الحرب الأهلية 62 – 68، لكنهم سرعان ما استعانوا بهم على بعضهم البعض لتسوية خلافاتهم الداخلية. ازداد الدور السعودي في اليمن وتمكنت من عمل تخالفات مع العديد من القبائل والشخصيات والحكومات؛ مما جعل اليمن تدريجيًا تابعةً للسعودية ومعتمدًا عليها في كثير من المجالات، خصوصًا أن الأنظمة اليمنية المتعاقبة لم تحاول تصحيح العلاقة أو تجريم العلاقات التي ربطت السعودية بالمكونات المحلية، سواءً كانت السعودية أو مصر أو غيرها، إن متلازمة اعتماد اليمنيين على الخارج، وإن افترضنا حسن نية القوى الأجنبية يجعل اليمنيين عاجزين عن التعامل مع مشاكلهم بأنفسهم.

 • الاحتقان السياسي

إن اختلاف الأيديولوجيات والرؤى السياسية أمر إيجابي في أي مجتمع، وهو علامة على نضج المجتمع وقدرته على التعامل مع القضايا المختلفة طالما وأن المختلفين متفقون على القضايا الجوهرية. ظهر الخلاف بين السبتمبريين بعد أول أيام الثورة، وللاسف لم تكن فكرة أن سبتمبر تجمعهم حاضرة في أذهانهم طوال الوقت، وفي ظل طغيان التفكير في الاختلاف وغياب إيجابية فكرة أن ما يوحد هؤلاء أكبر مما يفرقهم، كان من السهل الوقوع في فخ الاحتراب الداخلي بين القوى، وهو الأمر الذي شهده اليمن في حوداث متكررة. لم يعرف اليمنيون القدرة على التعامل مع الاحتقان السياسي دون اللجوء للعنف وهو ما جعل اليمن في دوامة من عدم الاستقرار ليس هذا فحسب، بل غطى أثره على أبصارهم وجعلهم غير منتبيهن على الخطر الذي يحدق بهم داخليًا وخارجيًا ليصبح النظام الجمهوري واستقلال الدولة على المحك.

 • توعية المجتمع

على الرغم من أن المجتمع اليمني شهد ارتفاع ملموسًا في معدل الوعي وتكونت له نخب في جميع المجالات بعد أن كان التعليم محصورًا على الأسر الهاشمية إبان الإمامة، إلا أن الطبقات السياسية بعد سبتمبر غفلت عن نقطة شديدة الأهمية، وهي التركيز على القضاء على العوامل الفكرية للإمامة. استمر وجود الأفكار التي ارتكزت عليها الإمامة، خصوصًا في المناطق الريفية في شمال اليمن كالأفكار المذهبية التي تستند منها الإمامة شرعيتها والأفكار المجتمعية التي تضع الأسر الهاشمية على رأس فئات المجتمع اليمني؛ صادف أيضًا أن تركزت الكثافة السكانية والسلطة في اليمن بين أبناء المناطق التي تنتشر فيها هذه الأفكار. كان أمام الحكومات التي تعاقبت على حكم شمال اليمن 60 عامًا بين سبتمبر والانقلاب الحوثي، وهي مدة أكثر من كافية لتغيير فكر أي مجتمع لهذا فإن حالة اللاوعي التي أوجدها النظام الإمامي ليست عذرًا للفشل في هذه المهمة إذ إن أجيالًا متعاقبة ولدت بعد سبتمبر. إن الفشل في هذه المهمة ربما أكبر خطأ ارتكبته حكومات ما بعد الثورة إذ إنها أبقت على شريان حياة الفكر الإمامي وهو وجود الأنصار والقاعدة الشعبية، وهو ما أثبته الحوثي الذي تمكن في بضع سنين من حشد آلاف الأنصار وفي السيطرة على أجهزة الدولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد