يخرج علينا في كل يوم الدواعش بشيء جديد ربما لا يختلف عن سابقه لكنه في التفاصيل جد مختلف وجديد.

ذَبَحَ اليوم دواعشُ ليبيا أو ما يعرف بولاية طرابلس مجموعةً من المصريين – المسيحيين – وكان الغرض رسالة إلى كنيسة مصر المحاربة كما سماها الفيديو.

ولا أدري حقيقة ما هو الدور الذي تلعبه الكنيسة هناك الذي استفز داعش لتذبح مجموعة من طالبي لقمة عيش توفر لهم عيشًا كريمًا وتصرف عنهم ذل المسألة، وتضفي بسمة جميلة على وجوه أطفالهم ونسائهم وكل من يحبون، لكن داعش دائما يهمها الرسالة ولا يهمها من يحملها، المهم أن تصل إلى أصحابها حتى لو حملها أبرياء لا ذنب لهم إلا أنهم مروا من هنا.

وإن كان الدور الكنسي في مصر تخطى دوره المعروف لدى معتنقي الديانة المسيحية؛ فأصبح البابا مواليًا للنظام بل ومتحدثا في السياسة، بل ويقرر من يدخل في العملية السياسية ومن لا يدخل متبعًا خط سلفه السابق البابا شنودة الذي خالف خط سابقيه؛ فجعل مسيحيي مصر يدخلون في خطوط مواجهة مع المسلمين بدلا من أن يدخلوها مع دولة الظلم، وكان السبب أن هناك امتيازات مزعومة لكنها فقط تعطى للكبار ليلهوا بها أعين التابعين.

والدور الكنسي في مصر لا يفرق عن دور الأزهر، الذي هو أيضا ترك رسالته والانتباه إلى تصحيح المسار ووضع الأزهر على الطريق الصحيح وترك عباءة الحاكم والسلطان إلى السعي خلف رضا السلطان وما يرضيه ورفع كل من أيد، وخسف كل من عارض، وصار الحكم الشرعي ونصوص السماء ألعوبة في يد علماء السلطة الذين أصبح شغلهم الشاغل الملاحقات الأمنية وتقديم التقارير. وإذا جئنا إلى دور الجماعات الإسلامية فحدث ولا حرج!

 

جزء منهم تحالف مع المصلحة الشخصية حتى لو كانت مع إبليس، فما ألقاهم تحالفهم مع الأباليس إلا في نار لم تكد تلمس جلودهم حتى قالوا بئسا للأباليس، وكان الأحرى أن يقولوا تبنا إلى الله.

 

وجزء منهم أنساه السلطان نصوص الشريعة وأصولها فراح يؤصل ويفصل لكل نقيصة وجريمة، وراح يدور ويحور رغم أن الحق واضح والنص بيِّنٌ والفاعل غير مستتر على طريقة شيوخهم هناك؛ حيث الدين في خدمة الملك والملك أعلى من الحساب وما الشعب إلا ناكر للجميل.

وجزء ثالث ثار وأنكر وانضموا هنا وهناك حيث ظنوا أن هذا هو طريق الخلاص والثورة، لم يرفعوا شعارًا خاصا أو مؤدلجا يخص فئة دون أخرى، بل كانت شعاراتهم عامة تطلب الحق للجميع والقصاص ممن أخطأ كائنًا من كان. لم يغضوا الطرف عن أفعال إخوانهم في العقيدة أو حتى في الفكر والسياسة، بل قالوا لكل من أخطأ أخطأتَ ولكل من أجرم أجرمتَ ولكل من أصاب أصبتَ.

ابحثوا عن بناء الوطن ومعه بناء الشريك وتأسيس الشراكة على نور وبينة مع إخوانهم في العقيدة أو إخوانهم في الوطن أو إخوانهم في الإنسانية العالمية أينما كانت وأينما حلت.

وجزء آخر صنف الحرب أنها حرب على الإسلام – وهي في بعض تفاصيلها كذلك – لكنها في الأصل حروب مصلحة وضد كل ضعيف على أي عقيدة كان، وحروب المصلحة هي التي فتحت للأفغان المسلمين أبواب الحكام العالميين وفتحت لهم منابر ومجلات وندوات، وسمحت بجمع التبرعات والنداء عليهم في سفارات الدنيا بالمجاهدين!

 

وهي نفسها التي أعدمتهم من بعد لما راحت المصلحة ولاحت في الأفق مصلحة جديدة، وسمت قضاياهم أمام المحاكم الرسمية العائدون من أفغانستان.

ولما عمق هذا الأخير النظر وجد نظاما عالميا مجرما وقاسيا، ثم وجد إجرامًا لا يجرم، ثم وجد إخوانه في العقيدة يبادون من هذه القوى وبدعم من الأنظمة التي يعيش فيها، بل إن هذه الأنظمة لما أرادت أن تحافظ للقوى الكبرى على مصالحها في هذه البلاد أقامت مجازر وآهات وويلات في الداخل ليرضى السيد الأبيض في الخارج!

 

ثم وجد أن لا صوت ولا فرصة ومكانًا للحوار، بل إن لغة الدم والقهر والذل هي التي تسود والتحريض على أوجه في إعلام السلطة والإعلام العالمي، وتعذيب لا حد له وإقصاء في كل مناحي الحياة، إذًا فلماذا لا نكون نحن أيضًا قساة؟!

 

وفي أثناء ترصده للعدو قابل الضحية! فذبحها وقال وهو يذبحها هذه المرة رسالة إلى أمة الصليب؟!

كما لو أن داعش ما ذبحت من قبل مجاهدين مشهودًا لهم بالقيادة والصلاح والتدين وحب القضية والثورة وبغض الظلم والظالمين، وما قتلت صحفيين ومتطوعين وإعلاميين كان يتمنى بشار دفع الملايين لقتلهم فقدمتهم له داعش بثمن بخس، وكانت الوسيلة في كل مرة هي السكين الفاخرة المصنوعة في الدول الكبرى.

ولا أدري من أين أتى الدواعش بأن حكم الكافر الذبح أو القتل لمجرد كونه كافرًا خالف عقيدتنا في توحيد الرب واتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

أنا لم أسمع آية في كتاب الله تقول اقتلوا الكفار لكونهم كفارًا.

ولن أستطرد هنا في أن رسول الله شرب هو وأصحابه من مزداة لمشركة، وكانت المرأة التي سممت له الشاة التي أكل منها يهودية الديانة، ودرعه الذي مات عنه كان مرهونًا عند يهودي. بل إن نصارى نجران لما أرادوا الصلاة صلوا في مسجده صلى الله عليه وسلم بحضوره!

والله فوق هذا كله يقول (( ليسوا سواءً)) لكن هؤلاء لا فرق عندهم بين مسلم وكافر أو بين محارب ومعاهد أو بين ضحية وجلاد.

وإلا فماذا كان جرم الذين نحرتموهم بالسكاكين؟ هل حاربوكم؟ هل رفعوا في وجوهكم سيفا أو عصا؟!

إن قلتم ذبحناهم لأنهم كفار كذبكم الله ورسوله نصًا، وإن قلتم لأنهم محاربون كذبتم لأنهم ما حاربوا إلا الجوع والعوز. وإن قلتم لأنهم أيدوا وساندوا الطاغوت فهناك أيضا مسلمون أيدوا هذا الذي سمي بالطاغوت.

إذن: فلتذبحوا كل مسلم أيد طاغوت بلاده جهلا منهم أو لخوف أو لمصلحة يرجونها أو حتى لأنهم صدقوا آلة الإعلام الدائرة لحساب الشيطان على حساب الوطن والدين والإنسان، أو لأنهم ما عادوا يستطيعون التفريق بين الغث ومن قدم نفسه أنه الثمين!

 

واذبحوا قبلهم كهان الحكم أصحاب العمائم الزائفة السود منها والبيض الذين تركوا رسالتهم وزحفوا خلف منافع السلطة والصولجان.

اذبحوا الجاهل والمعاند، اذبحوا المسالم والمحارب، اذبحوا المؤمن والكافر. اذبحوا حتى من عارضكم بالشفاه، اذبحوا المجاهد والعابد، اذبحوا الصديق والعدو، اذبحوهم وأحرقوهم جميعا ولا تبقوا في هذه الدنيا إلا جنسكم وتلك العقيدة المخترعة التي اخترعتموها وانضم تحت لوائها آلاف المجانين روحا لا عقلا.

ولا شك عندي أنكم في الأخير سيذبح بعضكم بعضًا.

ويا أيها الناس: إن ما فعله دواعش أمريكا في العراق وأفغانستان كان دعشنة بلباس ديمقراطي. وما فعلته الصين في أهل تركستان كان دعشنة بلباس شيوعي. وما فعلته روسيا بالشيشان كان دعشنة بلباس اشتراكي. وإن من يقتلون الناس اليوم بدون وجه حق ويعذبونهم بأشد أنواع التعذيب دواعش بلباس ميري يحميهم قانون الكبار. والذين يحرضون على قتل الناس والاعتداء عليهم دواعش من خلف الكاميرات.

ومن يمارسون وينتظرون الإذن كي يقتلوا ويعتدوا ويسبوا ويعادون لمجرد الادعاء أو الخوف أو الظن هو داعشي بلباس مدني يقال عنهم أحيانا البسطاء والغلابة. وهناك دواعش يحملون الصليب المعقوف، وآخرون يحملون الصليب المذهب ويرنمون الترانيم، وآخرون تحت رايات الوطنية والقومية والحزبية. وهناك دواعش معترف بهم في مجلس الأمن وآخرون يبحثون عن اعتراف.
فأين تذهبون؟!

لم تمر عيني على قارة أو إقليم ولم أسمع بديانة أو قضية إلا ووجدت دواعش يتحركون فيها. لكن القرار الدولي الآن يريد إدانة دواعش المسلمين السنة وترك باقي دواعش الدنيا من شيعة ومسيحيين وبوذيين وملحدين وليبراليين وديمقراطيين وقوميين وحكام عسكريين ومدنيين ملكيين وجمهوريين.

فإذا كان هذا انتشار داعش بيننا: الرسميون منهم وغير الرسميين، المرضي عنهم دوليا والمغضوب عليهم, فيا أيها الناس: فأين تذهبون؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد