تعد فترة الرئيس عبد الفتاح السيسي والتي تولى فيها السلطة في يونيو عام 2014 من أهدأ الفترات، عما سبقها من حالات اضطراب في نظام الحكم، في مصر بعد ثورة25 يناير؛ حيث توالت على مصر6 حكومات مرورًا بالمجلس العسكري وحكم جماعة الإخوان، والتي شهدت حالة من عدم الاستقرار، والتي يراها بعضهم أمرًا صحيًّا ومتوقع الحدوث بعد الثورات، وبمجيء حكم السيسي هادئة الاضطرابات، وهو هدوء مطلوب لتبدأ مصر مسيرتها إلى التنمية واستعادة مكاناتها مرة أخرى، والسؤال الذي يدور في بال كثيرين إلى أين تسير مصر؟ هل تسير في الطريق الصحيح؟ أم أنها فترة تعسر جديدة ويبقى الحال كما هو عليه؟

مصر من الداخل

يوجد عدد كبير جدًا من القضايا في الداخل المصري، وهي منذ زمن طويل وليست وليدة الوقت الحاضر، منها الفقر الذي وصل 26,3٪ هذا العام، والذي يعطي ضوءًا أحمر إلى إمكانية حدوث ما يسمى ثورة الجياع، وارتفاع نسب الفساد والوساطة والمحسوبية والذي لم يسلم منه القطاع الخاص أيضًا، وسيطرة الدولة الأمنية، والجهل والمشاكل الطائفية، وتدهور التعليم والصحة وزيادة نسبة البطالة بنسبة12,7% ، وتلك النسب هي نسب حكومية، والواقع أشد بكثير مما على الورق، وبوجود كل تلك المشكلات وقفت كل الحكومات منظر المشاهد ولم تحرك ساكنًا، والمكسب الوحيد هو اعتراف الحكومات بعد الثورة بوجود مشكلات، وبمجيء السيسي بانتخابات وصفت بأنها شكل من أشكال التنصيب الرسمي للسلطة، وكعادة أي رئيس وعد قبل توليه بحل لتلك المشاكل، ولكن الغريب في برنامج السيسي وخطته أنه لم يأت من الأساس ببرنامج له، وهو ما عابه عليه الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل -رحمه الله-.

ويمكن أن نوضح بعض السمات التي اتسمت بها مصر منذ تولى السيسي الحكم:

١- اهتمام الدولة بالبنية التحتية؛ حيث إن الخطوة الأولى في جذب الاستثمار والتشجيع على الصناعة هي الاهتمام بالبنية التحتية، بما يتضمن من بناء طرق وكباري إلى غير ذلك، وقد حرص السيسي على أن تكون الهيئة الهندسية للقوات المسلحة هي المشرفة عليها لما تتمتع به من سرعة وكفاءة عن أية هيئة أخرى.

٢- عودة ممارسات الشرطة كما كانت عليه قبل الثورة، فلا ينكر أحد أن جهاز الشرطة المصري بحاجة إلى إعادة هيكلة، وفق ضوابط ومعايير عالمية؛ لأن الواقع يشير إلى فساد وتقارير المنظمات تشير إلى حالات التعذيب في السجون، وآخرها تقرير منظمة Human right watch  عن حالات الاختفاء القسري في مصر، وأيضًا اتهام إيطاليا لجهاز الشرطة بمقتل الشاب الإيطالي.

٣- تزايد سوء الأحوال الاقتصادية المصرية؛ فلم يشفع صندوق تحيا مصر ولا المؤتمر الاقتصادي ولا قناة السويس الجديدة، للاقتصاد واتسم الوضع في مصر بغياب الرؤية الاقتصادية، واعتماد الحكومة على المواطنين في سد العجز، من خلال رفع الدعم وزيادة الضرائب، وزادت الأوضاع سوءًا بتدهور الجنيه المصري أمام الدولار، والذي يتقهقر يومًا بعد يوم بسبب سياسات الحكومية الخاطئة، فقد أعلن البنك المركزي عن تخفيض قيمة الجنية أمام الدولار، تلك السياسة التي سوف تأتي بنتيجة عكسية على الجنية المصري، ويزيد الوضع تعقيدًا.

٤- النظرة السطحية للقضايا المحورية، فقد استمرت حالة الحلول المؤقتة؛ فقضية مثل التعليم كان الحل للحكومة هو تغيير المناهج الدراسية دون التعمق في أصل الموضوع؛ فلو نظرنا لحالة مثل ماليزيا التعليم عندهم مصدر يدر دخلًا إلى الميزانية، برغم أن التعليم هو تكلفة على الدولة في الأساس، وذلك بسبب الاهتمام بالتعليم، وأيضًا المشكلة الطائفية التي كان حل الحكومة هي الإعلانات والأغاني التي تدعو إلى الوحدة، وكلها حلول ليست لها فائدة، وأيضًا محاربة الفساد، والذي أعلنت الحكومة عن محاربته، ولكن قضايا الفساد والمحاكمات الخاصة بها حتى الآن، لم يتم البت فيها ولا نعرف مصيرها.

٥- محاولة استعادة روح الزعامة، فطبيعة المصريين أنهم يقدسون الزعامات، وينظرون إلى الزعماء باعتبارهم مخلصهم، ويتجاهلون أخطاءهم، ويذكرون إنجازاتهم؛ لذلك يسعى السيسي بعبارة قائدة الثورة 30 يونيو، إلى أن ينصب نفسه زعيمًا جديدًا بعباراته وشعاراته الرنانة، ويساعده في ذلك الإعلام المصري.

مصر من الخارج

اتسمت السياسة الخارجية المصرية بعدد من السمات وهي:

١- عودة دور رسم السياسة الخارجية إلى الرئيس الجمهورية، فالفترة ما بعد الثورة كانت وزارة الخارجية المصرية هي التي ترسم السياسة الخارجية لها، حتى في عهد جماعة الإخوان، رفضت وزارة الخارجية تطبيق سياسات الجماعة، مثل رفضها الاعتراف بمجموعة من الجماعات التي تقاتل في مالي واعتبرتها الخارجية جماعة مسلحة، وعند وصول السيسي أضحت الرئاسة المسؤولة عن وضعها منفردة، والوزارة تنفذ تلك السياسات.

٢- اتسام السياسة الخارجية المصرية بالبعد المصلحي؛ فقد تحررت مصر من الأعباء الأيدولوجية، ووضعها التاريخي باعتبارها الشقيقة الكبرى أو الأخت الكبرى للعالم العربي، واتجهت إلى تحقيق مصالحها وأمنها وتركت الساحة، إلى دول أخرى مثل السعودية وإيران والكويت تلعب دورًا في الشرق الأوسط، في مقابل المساعدات من المملكة العربية السعودية وتجنب الاصطدام معها بشأن الملف السوري، لم تدخل مصر في القضية السورية ولم تعرب حتى عن موقفها.

٣- زيادة الاعتماد على القوة العسكرية، فلم تقتصر مصر على الاعتماد على الدبلوماسية فقط في حل قضاياه، ولكن الجديد أنها استخدمت القوة العسكرية، مثل العملية التي قامت بها القوات المسلحة -عملية الثأر- وإرسال قوات بحرية وجوية لتأمين مضيق باب المندب، لحماية الملاحة في قنات السويس بعد الانقلاب الذي قامت به جماعة الحوثيين في اليمن.

٤- اتساع دائرة العلاقات المصرية واتساع نطاق التأثير، فمنذ تولى السيسي عمل على توسيع دائرة العلاقات الخارجية فاتجه إلى روسيا والصين والدول الأوروبية، باعتبارهم قوةً دوليةً لها تأثير في الساحة العالمية، فأقام معاهدات عسكرية، مع روسيا وفرنسا وعدد من الاتفاقيات الأخرى مع اليابان وألمانيا، واتجه إلى القارة السمراء البعد الإستراتيجي لمصر، فأعاد العلاقات مع الدول خاصة أثيوبيا، ومنح القروض لبعض الدول، واستعاد عضويتها في الاتحاد الأفريقي بعد تجميده إياها بعد 30 من يونيو2013 .

الخاتمة

من خلال ما استعرضناه من سمات، يمكن القول إنه من غير العدل والإنصاف أن نحكم على سنتين مضت فقط، من حكم السيسي، ونحدد من خلالهما مصير مصر في المستقبل، فبناء الحضارة والتنمية تطلب سنين وعقودًا، ولكن نعرف بزوغ الشمس من ضوئها، فبشائر التنمية يمكننا أن نراها في السنوات الأولى، وفي الحالة المصرية لا يمكن أن ننكر وجود ضوء أبيض خافت يظهر خلال السنتين الماضيتين، بسبب العمل على البنية التحتية وحل مشاكل العشوائيات الخطر الذي شعرت به الحكومة وتحسين العلاقات الخارجية، إلا أنه إذا استمر الوضع كما هو عليه في مصر، سوف تكون مسيرة التنمية بطيئة جدًا، وربما تتعثر وتقف لفترة طويلة، بسبب المكينة الحكومية العقيمة، والتي ينتشر فيها الفساد والوساطة والمحسوبية بشكل يفوق الحدود، فالتنمية الحقيقية ليست بناء طرق وكباري، إنما التنمية هي بناء القدرات، والكوادر والانضباط في الجهاز الحكومي واستخدام الحسم والقوة في القضايا المحورية، وعلى ذلك يجب على السيسي إذا كان يريد أن يشعر المواطنين ببشائر التنمية في عهده حتى إنهاء فترته خلال السنتين المقبلتين، تشكيل غرف تختص بكل مشكلة على حدة، ولتكون جدية تتكون من كوادر حقيقية تضع خططًا وإستراتيجيات واقعية، وليست ورقًا مزينًا، بالعبارات الجميلة فقط، إلا إذا كان يدور في عقل السيسي أن يستمر في السلطة لدورة رئاسية مقبلة، وكل الأجواء تبشر بذلك، خاصةً عدم وجود معارضة له، وعدم وجود بديل يطرح نفسه مكانه لتستمر تلك الآلية البطيئة، ويستمر الوضع كما هو عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد