في صباحات الشتاء يتأخر المرضى في مجيئهم إلى المشفى، جلست أسلي وقتي باستكمال كتاب كنت قد بدأته حتى يأتي أحدهم، جاءت صديقتان إليّ تقول إحداهما للأخرى وتشير إلي «إنها تقرأ في كل مكان، لقد علمتني شيئًا من قراءاتها العام السابق». نظرت إليها مترقبة أحاول تذكر ما الذي علمتها إياه، قالت «أخبرتني أن الأطفال هم أفضل الفلاسفة في العالم، أتدرين لماذا؟ ذلك لأنهم لا يكفون عن طرح الأسئلة».

ابتسمت متذكرة أنني في العام السابق كنت شغوفة للغاية بأدب الأطفال ولا أكف الحديث عنه في كل مكان.

في إحدى روايات الكاتب جوستاين جاردر بعنوان (مرحبًا هل من أحد هناك) نجد هذا المقطع «في تلك الأيام كنا نربي بعض الدجاجات التي تنبش في أرض الحديقة طوال الوقت. هل تعتقدين أن الدجاجة شيء عادي؟ أنا أيضًا كنت أعتقد ذلك قبل أن ألتقي بميكا.

تصوري نفسك رائد فضاء يجوب الفضاء الخارجي لعدد لا يحصى من السنين ألا تعدين نفسك محظوظة فعلًا إذا رأيت دجاجة واحدة طوال هذه المدة؟ هناك مليارات من النجوم في الفضاء الخارجي المتسع الذي نسميه نحن، والقليل من هذه النجوم له كوكب أو كوكبان أو أكثر، يدور حوله في مجرى يقال له مدار، بعد أن تسافري مئات وربما آلاف السنين، قد تصلين إلى كوكب عليه نوع من الحياة، وحتى لو كانت هناك كائنات حية على هذا الكوكب فاحتمال أن تعثري هناك على دجاجة احتمال بعيد جدًا لا أظنه يحدث، لا أظن أن هناك دجاجًا في أي مكان آخر في هذا الكون إذًا من الصعب أن نسمي الدجاجة شيئًا عاديًا». تحكي الرواية عن طفل يدعى ميكا سقط من الفضاء، يرى أن كوكب الأرض كوكب غير عادي، هو مختلف تمامًا عن كوكبه الذي أتى منه يلامس كل شيء باندهاش كبير وسعادة بالغة، هو غير معتاد بعد على هذا المكان، حتى الدجاجة يبدو أنها شيء نادر الوجود في هذا الكون، تلك هي عقلية الطفل، لا شيء بالنسبة له بديهي أو عادي. يخرج الطفل من رحم أمه فيرى عالمًا جديدًا يرى الضوء يحاول لمس كل شيء يتساءل عن كل شيء، يكون شعلة متوهجة من التساؤل، حتى الأشياء الصغيرة تثير اندهاشه، ربما يرى نملة تحمل حبة سكر فيظل يراقبها وكأنها الشيء الأكثر إثارة للدهشة في الكون، يقول جوستاين جاردر «إن الميزة الوحيدة اللازمة لكي يصبح الإنسان فيلسوفًا جيدًا هي قدرته على الدهشة»، تلك الميزة تتواجد فطريًا لدى الطفل لذا فالأطفال هم أفضل الفلاسفة في العالم، ولكننا نحن الناضجين من اعتدنا العالم وخبت قدرتنا على الاندهاش نساهم بطريقة ما في تدمير تلك العقلية، تلك العقلية التي تفكر بطريقة خارجة عن نطاق المألوف، نتذمر حين يتساءل الطفل كثيرًا أو حين لا يكف عن الحديث، فقط من يستطيع الاحتفاظ بتلك القدرة حتى النضوج هم الفلاسفة والعلماء والأدباء وكل الأشخاص الحالمين، بطريقة ما نحن نحتاج ذلك النوع من الأدب ليحافظ على تلك القدرة الرائعة.

مؤخرًا استمعت إلى كاتب للأطفال يدعى (ماك بيرنيت)، يقول إنه يفضّل أن يكتب لطفل أكثر من الكتابة لأي بالغ، لأنه يريد لكتبه أن تكون مثل الأبواب السرية التي تأخذك لعالم آخر، والأطفال يصلون إلى ذلك المكان خلف الأبواب السرية بسهولة، إنهم الجمهور الوحيد الذي يمكن معه أن تفتح ذلك الباب وتدع الخيال بداخله يتدفق إلى عالم الواقع، يقول إن أول كتاب كتبه للأطفال كان بعنوان (بايلي المغرد ومشكلة حوته الأزرق)، تحكي القصة عن فتى تلقى حوتًا هدية عيد ميلاده، كان حيوانه الأليف يجره معه في كل مكان، في نهاية كتابه وضع إعلانًا للأطفال يوفر تجربة 30 يومًا مجانية للحوت الأزرق، وأن من يريد تجربته عليه إرسال رسالة ذاتية مختومة ومغلفة وسيرسلون له الحوت فورًا، يقول ماك بيرنيت إنه تلقى رسالة من طفل يقول فيها (أعزائي الناس أراهنك بعشرة دولارات إنكم لن ترسلوا لي الحوت الأزرق)، حصل ذلك الطفل وجميع الأطفال الذين أرسلوا رسالة لتجربة الحوت على رسالة أخرى تقول (بسبب التغير في قانون الزبائن تم احتجاز حوتكم في مضيق سنقو، ولكن حوتك يرغب في السماع منك، أرسل له رسالة صوتية على هذا الرقم)، يقول ماك بيرنيت إنه تلقى رسائل صوتية من مئات الأطفال وكان أجملهم طفلًا يدعى (نيكو) قام بتسمية حوته باسم (راندولف) ترك له ٢٥ رسالة على مدار أربع سنوات، تحدث فيها مع راندولف عن كل شيء عن أعياد الكريسمس وعن جدته المفضلة وحتى أصدقائه في المدرسة، يقول ماك بيرنيت «أشعر بالحظ فأطفال مثل نيكو هم أفضل القرّاء».

قوانين عالمنا اكتشفت على أيدي أشخاص لا يعتقدون في البديهيات، فيزياء نيوتن لم تكن بديهية لأينشتاين، سقوط الأشياء نحو الأرض لم يكن مسلمًا به لدى نيوتن، اكتشاف قارات جديدة لم يحدث إلا على أيدي عقليات كانت تتساءل إن كان هذا هو كل عالمنا، هؤلاء أشخاص استطاعوا الانتقال من طفولتهم بتلك المقدرة الرائعة على الاندهاش للأشياء الصغيرة والتساؤل عن كل ما حولهم، إذا كنا حقًا حريصين على الإبقاء على تلك المقدرة فعلينا أن نشارك الطفل  في تساؤلاته، أن نذهب معه في الخيال إلى أبعد الحدود وأدب الأطفال هو أفضل طريقة لفعل ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الطفل
عرض التعليقات
تحميل المزيد