لم تكن قضية علو الله على خلقه قضية فرعية أو هامشية، بل نزلت آيات من الفرقان تثبت علو الله وفوقيته قطعًا ويقينًا، وأثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصفة في أحاديث سردناها في مقالاتنا السابقة، ليحيى من حيّ عن بينة، وحتى لا نترك المسلمين عرضة لآراء المتكلمين، بل نأتي بالنصوص واجبة الاتباع مبينة للحق ليدمغ الباطل ويدحضه فإذا هو زاهق.

ولما كان صحابة رسول الله رضي الله عنهم جميعا هم نقلة الدين، وأفضل القرون، شهد لهم رب العزة تبارك وتعالى «مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ»، اختارهم الله لصحبة نبيه، ونشر دينه، قدموا مهجهم وأرواحهم فداء لدين الله ونصرة لرسوله، حتى زكاهم الرسول الخاتم «لا تسبوا أصحابي لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»، شهدوا التنزيل، ونزل القرآن بلسانهم، عايشوا الرسول واتبعوا خطواته، فكانوا أدقّ النّاس فهمًا وأغزرُهم علمًا وأصدقهم إيمانًا وأحسنهم عملًا.

كان الصحابة –وحالهم كما ذكرنا– يعتبرون علو الله على خلقه وفوقيته عقيدة راسخة ومسلمة لا تقبل الجدال، حتى بدأ المتكلمة في العصور المتأخرة يحاولون خلخلة هذه العقيدة، وليّ أعناق الحقائق لتوافق أهواءهم، فها هو الصديق أبو بكر في موقفه العظيم بعد وفاة أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم كما يروي ابن أبي شيبة في مصنفه: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبو بكر في ناحية المدينة، فجاء فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجى، فوضع فاه على جبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقبله ويبكي، ويقول: بأبي وأمي طبت حيًّا وطبت ميتًا، فلما خرج مر بعمر بن الخطاب وهو يقول: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يموت حتى يقتل الله المنافقين، قال: وكانوا قد استبشروا بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفعوا رءوسهم، فقال: أيها الرجل، أربع على نفسك، فإن رسول الله قد مات، ألم تسمع الله يقول: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ»، وقال: «وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ»، قال: ثم أتى المنبر فصعده فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن كان محمد إلهكم الذي تعبدون فإن إلهكم قد مات، وإن كان إلهكم الذي في السماء فإن إلهكم لم يمت، ثم «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ…» حتى ختم الآية، ثم نزل وقد استبشر المسلمون بذلك واشتد فرحهم، وأخذت المنافقين الكآبة، قال عبد الله بن عمر: فو الذي نفسي بيده لكأنما كانت على وجوهنا أغطية فكشفت  قال الحافظ الذهبي في العلو: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

لم يتوان الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصعب لحظة مرت على هذه الأمة، أن يبين للمسلمين أن إلههم الذي في السماء قد قبض نبيه وتوفاه إليه. ليقرر حقيقة عقدية علمه إياها معلمه وصاحبه لتظل حقيقة خالدة إلى قيام الساعة، إلهنا الذي في السماء.

وفي ذلك أيضًا يقول الإمام الحبر، فقيه الأمة، عبد الله بن مسعود: «بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والله فوق الكرسي ويعلم ما أنتم عليه» رواه الذهبي في العلو. والموقوف في الأمور الغيبية له حكم المرفوع إلى النبي، فمثل هذه الأمور لا تتأتى بالاستنتاج ولا بالنظر. ولا يفوت الصحابي الجليل هاهنا أن يقرر أنه مع إيمان الصحابة وعامة المسلمين من بعدهم بفوقية الله على خلقه، فإنهم أيضًا يؤمنون بإحاطته بخلقه، وأنه يعلم السر وأخفى، ولا يعزب عنه شيء في السماء والأرض، فهم يسلمون بمطلق العلم له سبحانه.

وهذا عبد الله ابن عباس حبر الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير يستأذن على عائشة –كما ورد في صحيح البخاري– في مرض موتها –رضي الله عنها-  فقال: كيف تجدينك؟ قالت: بخير إن اتقيت. قال: فأنت بخير إن شاء الله؛ زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينكح بكرًا غيرك، ونزل عذرك من السماء. ووقع في رواية ذكوان «وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات». ومن من الصحابة لم يوقن أن براءة عائشة رضي الله عنها نزلت قرآن يتلى إلى قيام الساعة أنزله الله من السماء على قلب نبيه ليبرئ أحب الناس إليه، مما اتهمها منافقو المدينة.

وقد ذكرنا في مقالنا السابق كيف أن زينب بنت جحش -رضي الله عنها -كانت تفاخر زوجات النبي بأنهن زوجهن أهاليهن وزوجها الله من فوق سبع سماوات، في إشارة لقوله تعالى في سورة الأحزاب: «فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا».

وعندما اشرأبت الفتنة، وقُتِل عثمان، حزنت السيدة عائشة لقتله، وخرجت يوم الجمل تقصد الإصلاح بين المسلمين -رضي الله عنها– ودَعَت على من قتله وقالت فيما روى الدارمي: «وأيمُ اللهِ إنِّي لأَخْشَى لو كُنْتُ أُحِبُّ قَتْلَهُ لَقُتِلْتُ -تعني عثمانـ، وَلَكِنْ عَلِمَ اللهُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ أَنِّي لَمْ أُحِبَّ قَتْلَهُ». في معرض إنكارها لقتل عثمان، وحديثها عن فتنة كبرى، تُشْهِد الله الذي برأها من فوق عرشه في حادثة الإفك، أنه يعلم أنها أنكرت على من قتله ومن شايع على قتله.

كانت دعوة رسول الله التي صدح بها في العالمين أنه نبي من الله يتنزل عليه الوحي من السماء إلى الأرض، وكان العرب يأتون إلى مكة يتحققون من صحة هذه الدعوى، منهم الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري، أحد السابقين الأولين من نجباء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. كما ورد في صحيح البخاري أنه «لما بلغ أبا ذر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قال لأخيه اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء»، تلك كانت القضية أن إلهًا في السماء يوحي إلى نبي في الأرض، وتلك كانت الفارقة بين الإيمان والكفر.

وهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وقد مر براعٍ وأراد أن يختبر ورعه، فقال له: هل من جَزَرَةٍ؟ فقال: ليس هاهنا ربها. قال ابن عمر: تقول له: أكلها الذئب. قال: فرفع رأسه إلى السماء، وقال: فأين الله؟ فقال ابن عمر: أنا والله، أحق أن أقول: أين الله. واشترى الراعي والغنم، فأعتقه وأعطاه الغنم. والجزرة هي ما يَصلُحُ لأَن يُذبح من الشَّاءِ، فهنا يرفع ابن عمر رأسه إلى السماء، متجهًا إلى ربه كما رفع نبيه ومعلمه رأسه في حجة الوداع يشهد الله الذي في السماء أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وهنا أيضًا يسأل ابن عمر نفس السؤال الذي سأله معلم البشرية للجارية: أين الله؟ والذي ينكر الجهال والمتكلمون سؤاله، بل وفعل مع الراعي كما فعل معلمه وأستاذه مع الجارية، فاشتراه وأعتقه لورعه، كما أمر النبي الخاتم بعتق الجارية لإيمانها لأنها علمت أن الله في السماء.

لقد كان الصحابة في اعتقادهم بعلو الله وفوقيته إنما يتبعون نصوص الكتاب الكريم، وأقوال النبي الذي وصفه ربه بأنه على خلق عظيم، وإذا كان الله قد وصف نفسه أنه فوق عباده، وإذا كان نبيه وصفه أنه في السماء، وإذا كان أصحاب نبيه وخير القرون وصفوه أنه فوق سبع سماوات وأنه فوق العرش، فما يضيرنا إن خالفنا فيلسوف أو متكلم أو جاهل؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد