دأب المسلمون في كافة الأقطار، وعلى مدار قرون طويلة على دراسة المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة، وتلقاها المسلمون بالقبول، حتى أصبحت موضوعًا للتدريس في المعاهد والجامعات الإسلامية، وأضحى قضاة المسلمين ومفتوهم يحكمون ويقضون بموجبها، وما كان ذلك إلا لسعة علم هؤلاء الأئمة، ودقة أحكامهم، وسعة اطلاعهم، وتوفيق الله لهم؛ مما أدى إلى انتشار مذاهبهم، وكثرة تلاميذهم، وعنايتهم بتدوين مذاهبهم؛ حتى لا تندثر، وما من مسلم إلا يوقر هؤلاء الأئمة، ويضعهم موضعهم، حتى لو عمل بخلاف قول أحدهم في مسألة فقهية، فقد نصوا في أقوالهم أن الدليل أولى بالاتباع، وما كان ذلك إلا لورعهم وتقواهم رحمهم الله جميعًا.

ولمكانة هؤلاء الأئمة في قلوب المسلمين، رأينا أن ندرج في بحثنا هذا اعتقادهم – رحمهم الله – في مسألة العلو والفوقية وإثبات هذه الصفة لله سبحانه وتعالى، وهنا نعرض لأقوالهم واعتقادهم، ونعزي ما نسرد من آراء إلى مصدره، متبعين التسلسل الزمني للأئمة الأربعة رحمهم الله:

الإمام أبو حنيفة النعمان (80- 150هـ)

أدرك أربعة من الصحابة هـم: أنس بـن مالك، وعبد االله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد الساعدي، وأبو الطفيل عامر رضي الله عنهم، ورأى أنسًا رضي الله عنه حين قدم الكوفة؛ لذا يعد من التابعين.

جاء في كتاب الفقه الأبسط الذي رواه أبو مطيع عن أبي حنيفة «قَالَ أبو حنيفَة: من قَالَ لَا أعرف رَبِّي فِي السَّمَاء أَوْ فِي الأَرْض فقد كفر، وَكَذَا من قَالَ: إِنَّه على الْعَرْش، وَلَا أدري الْعَرْش، أَفِي السَّمَاء أَوْ فِي الأَرْض، وَالله تَعَالَى يدعى من أعلى، لَا من أَسْفَل، لَيْسَ من وصف الربوبية والألوهية فِي شَيْء، وَعَلِيهِ مَا روى فِي الحَدِيث أن رجلًا أتى إِلَى النَّبِي ـ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ـ بِأمة سَوْدَاء، فَقَالَ: وَجب عَليّ عتق رَقَبَة، أفتجزىء هَذِه؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِي ـ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ـ أمؤمنة أَنْت؟ فَقَالَت: نعم، فَقَالَ أَيْن الله؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاء، فَقَالَ: اعتقها فَإِنَّهَا مُؤمنَة.

وجاء في الأسماء والصفات للبيهقي «وقد اختلف العلماء في قوله «ينزل الله»، فسئل أبو حنيفة عنه؛ فقال: ينزل بلا كيف». وقد قدمنا فيما سبق أن النزول لا يكون إلا من علو.

وروى البيهقي أيضًا عن نوح بن أبي مريم، قال «كنا عند أبي حنيفة أول ما ظهر، إذ جاءته امرأة من ترمذ، كانت تجالس جهمًا، فدخلت الكوفة، فأظنني أقل ما رأيت عليها عشرة آلاف من الناس، تدعو إلى رأيها، فقيل لها: إن ههنا رجلًا قد نظر في المعقول يقال له: أبو حنيفة. فأتته، فقالت: أنت الذي تعلم الناس المسائل وقد تركت دينك؟ أين إلهك الذي تعبده؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إليها، وقد وضع كتابين: الله تبارك وتعالى في السماء دون الأرض. فقال له رجل: أرأيت قول الله عز وجل «وَهُوَ مَعَكُمْ» [سورة الحديد: 4]، قال: هو كما تكتب إلى الرجل: إني معك وأنت غائب عنه.

قال البيهقي رحمه الله: لقد أصاب أبو حنيفة ـ رضي الله عنه ـ فيما نفى عن الله عز وجل من الكون في الأرض، وفيما ذكر من تأويل الآية وتبع مطلق السمع في قوله: إن الله ـ عز وجل ـ في السماء.

وجهم بن صفوان هو أبو محرز الراسبي، السمرقندي، الكاتب المتكلم أس الضلالة، ورأس الجهمية، كان صاحب ذكاء وجدال، وكان ينكر الصفات، وينزه الباري عنها بزعمه، ويقول: بخلق القرآن. ويقول: إن الله في الأمكنة كلها. كما جاء في سير الأعلام للذهبي.

الإمام مالك بن أنس (93 -179هـ)

شيخ الإسلام، حجة الأمة، إمام دار الهجرة. جاء في التمهيد لابن عبد البر: قال مالك بن أنس «الله عز وجل في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه مكان». وقيل لمالك «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى» [طه: 5] كيف استوى؟ فقال مالك رحمه الله: استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجل سوء.

الإمام محمد بن إدريس الشافعي (150- 204هـ)

عالم العصر، ناصر الحديث، فقيه الملة. روى ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (عن أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى قال: القول في السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم، وأخذت عنهم، مثل سفيان ومالك وغيرهما الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، وأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كيف شاء».

الإمام أحمد بن حنبل (164 – 241هـ)

قال الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان: قَالَ لنا الشافعي: أَحْمَد إمام فِي ثمان خصال: إمام فِي الحديث، إمام فِي الفقه، إمام فِي اللغة، إمام فِي القرآن، إمام فِي الفقر، إمام فِي الزهد، إمام فِي الورع، إمام فِي السنة.

روى ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة عن أبي بكر المروذي قَالَ: سألت أحمد بن حنبل عَنِ الأحاديث التي تردها الجهمية فِي الصفات والرؤية والإسراء وقصة العرش فصححها، وقال قد تلقتها الأمة بالقبول وتمر الأخبار كما جاءت.

والجهمية أتباع الجهم بن صفوان ـ كما أوردنا ـ كانوا ينكرون أحاديث العرش؛ لينكروا فوقية الخالق سبحانه وتعالى، بل كانوا يردون الأحاديث التي تثبت صفات الله تعالى، فتصدى لهم إمام أهل السنة وأثبت صحة الأحاديث التي وردت لإثبات هذه الصفات ليبطل حجتهم رحمه الله.

وحكى ابن تيمية في كتابه درء تعارض العقل والنقل قال «وأخبرني عبد الله بن حنبل، قال: أخبرني أبي حنبل بن إسحاق، قال: قال عمي: نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء، بلا حد ولا صفة يبلغها واصف، أو يحده أحد، فصفات الله له ومنه، وهو كما وصف نفسه)، وحنبل بن إسحاق ابن عم الإمام أحمد، وتلميذه.

إن نصوص الله في كتابه الكريم الواضحة والصريحة تقطع بعلو الله على خلقه، ثم إن نبيه صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى، صرح بذلك، وأقر بإسلام وإيمان من قال بأن الله سبحانه تعالى في السماء فوق عرشه، وكان أصحابه – كما أسلفنا – يعتقدون ذات الاعتقاد. ثم ها هم الأئمة الأربعة الذين لا يخلو مسلم من أن يتبع أحد مذاهبهم ويوقرهم ويجلهم يثبتون لله سبحانه ما أثبته لنفسه. ثم ها هم آحاد المسلمين يتوجهون بباطن أكفهم إلى السماء مقرين بوحدانية الله سبحانه وعلوه فوق خلقه.

فما يعنينا بعد ذلك كله من فلسفة المتأولين، وخوض الجاهلين، وسفسطة المتكلمين؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد