في مقالنا السابق، وفي معرض نقدنا لمقال (أين الله؟) للكاتب (أحمد باوزير) انتقدنا منهجه في تجاهل الأدلة الصحيحة وتضعيفها بلا مسوغ، وكذلك القفز إلى نتائج معينة بلا مقدمات تمهد لها ثم البناء على هذه النتائج، وكان همُّ الكاتب أن يصل إلى حقيقة يعتبرها مطلقة بإنكار صفة العلو والفوقية لله سبحانه وتعالى.

لقد فطر الله بني آدم على أن الله عَلِيٌ أَعلَى، وإني إذ أقول بني آدم أعني البشر على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم وتوجهاتهم، هذه الفطرة التي تدعو هذا الكائن البشري إلى أن يرفع يديه لأعلى، أو أن يوجه بصره للسماء، مضطرًا عاجزًا طالبًا من القوة القاهرة، من إلهه المتحكم؛ أن يلبي له طلبه، أو أن يفك له كربه، يحدث هذا يوميًّا دون مناقشة القضية أو فلسفتها أو وضعها على مائدة البحث، دون عقد مؤتمرات أو الخروج بتوصيات، حتى إنهم لا يتفقون في ماهية وكينونة هذا الإله الذي يتوجهون إليه.

ومن العبث ومن غير المعقول أن نجد رجلًا أراد أن يدعو ربه – أيًّا كانت ديانته – فالتفت إلى يمينه أو يساره أو نظر أسفل منه ليطلب حاجته، إنهم جميعًا يتوجهون إلى من استعلى في مكانه وقدره ومقامه، وإنه لمن الطريف أن المختلفين حول هذه القضية نراهم جميعًا متلبسين بالدعاء إلى الله ورفع باطن أكفهم إلى السماء حين التضرع إليه، فإنهم يختلفون كلاميًّا ويتفقون عمليًّا، ولا ينفك الحق أن يظهر على أفعال المنكرين وإن خالفوه حين اجتالتهم الشياطين.

نعلم جميعًا أنه معنا أينما كنا – سبحانه – وأنه سميع عليم، وأنه قريب لمن دعاه، لكن مع هذا كله نتوجه إلى العلو عند الدعاء، ونشير إلى السماء حينما نسأَله كما أشار نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، يشهده على أنه بلغ رسالته ونصح لأمته، ويتقلب وجهه – صلى الله عليه وسلم – في السماء سائلًا من في السماء أن يوجهه إلى قبلة إبراهيم.

والمعلوم أن السماء كانت موطنًا لنا في ظهر آدم – عليه السلام – قبل أن نسكن الأرض بعد أن أمر الله آدم أن يهبط إليها، وأخبره أنه سيكون فيها محيانا ومماتنا، فكيف يكون المخلوق في موضع أعلى من خالقه؟ وقد رفض أبو أيوب الأنصاري أن يسكن أعلى من نبيه وهذا من سلامة فطرته رضي الله عنه فكيف يكون بين النبي وبين خالقه وكيف يكون بين من يوحِي له وبين من يوحَى إليه؟

لقد دلت الفطرة على علو الله على خلقه وفوقيته، وإن الإسلام دين الفطرة، (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) وإننا نحن المسلمين نعتقد أن الإنسان يولد على الفطرة إلا أن يجبر على خلافها لأسباب مجتمعية، وقد حفظ الله كتابه من التغيير والتبديل، ومن التأويل وهو صرف النصوص عن ظواهرها بغير دليل، ومهما سقنا من الأدلة العلمية من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وأقوال علماء الأمة من أهل السنة والجماعة – والتي لا يحدها حصر – يظل دليل الفطرة أقوى يفوق نظريات الفلاسفة وجدل المتكلمين.

غير أن الفطرة البشرية قد تنتكس والعياذ بالله فترد الحق وتقبل الباطل، وهذا من آثار الذنوب والمعاصي، فعلى المكلَّف أن يعلم يقينًا أن مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة العلو: (أن الله تعالى مستو على عرشه، وعرشه فوق سماواته، وأنه بائن من خلقه جل وعلا ليس حالًّا فيهم، فهو العلي الأعلى، فوق جميع مخلوقاته بلا كيف سبحانه وتعالى وتقدس، وعلمه محيط بجميع خلقه، وهذا ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل القرون المفضلة).

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد