التعاطي السياسي العربي مع النظام العالمي, دائما ما يكون متشابها من قطر عربي لآخر، تجاه كل قضايا الأمة، تشعر معه بعدم ثقة واضحة من الساسة العرب. هو دائم النمطية لا يتغير ولا يأتي بجديد. فالخطابات الإنشائية ودغدغة مشاعر الجماهير, عامل مشترك في الخطاب السياسي العربي بتغييب شعوبها، حتى بعد ربيع عربي قلب موازين المنطقة في أيام قليلة, منها من هدأ ومنها من هو مشتعل للآن, كما في اليمن وسوريا، فتعاقب الأجيال وتغيير العقول لم يأت بمن هم أكثر رؤية لوضعية النظام العالمي المتغير، خاصة بعد انهيار دول أوروبا الشرقية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي قبل عقدين ونيف من الزمن،  ومن وقتها والخطاب السياسي يرواح مكانه، ودائمًا ما يكون فارغا من أي مضمون.

فالأقطار العربية كانت غير وضعها الآن إبان حقبة الحرب الباردة, عقب الحرب العالمية الثانية, وما تبعها من قيام دولة الكيان الصهيوني بقرار من الأمم المتحدة, بحسب وعد سابق لبلفور، فهي للآن لم تتعاطَ مع الوضعية الجديدة للعالم ككل, بإذابة الفوارق بين دول أوروبا, على الرغم من اختلاف الثقافات والأعراق بينهم جميعا, فأصبحوا شبه كيان واحد، والتقارب بين دول آسيا شرقها وغربها، وكيفية التعاطي مع التغييرات المتعاظمة عالميا بشكل سنوي، وبقوا وهم يتوجسون خيفة من بعضهم البعض, بل يكيدون المكائد أيضا لبعضهم للأسف، بدلا من التقارب الحميم المطلوب الآن قبل غد، فهم أولى من كثيرين بقواسم مشتركة بينهم, من روابط وأواصر قوية ودين واحد وثقافة واحدة وإرث تاريخي واحد, وربما خارطة جغرافية واحدة أقرب للتطبيق دون غيرها أيضا، لكنهم أصروا دائما أن يبقوا يتراقصون على هامش التاريخ, مغيبين بشكل كامل عن صنع أي قرار عالمي، وما أكثر التغيرات من حولهم.

 

غياب عربي تام                         

ويمكن القول بأن العرب دون غيرهم غابوا تماما في العقود الثلاثة الأخيرة، التي شهدت تغيرات جوهرية, على الصعيد العالمي والتعامل بين الدول، فالتقارب وشبه الاندماج بين دول أوروبا وتعاظم الدور الأمريكي والتوافق بينهما، أمر أثر بالسلب على الأقطارالعربية، ولم يخطُ خطوة واحدة نحو التطور وتعديل التعاطي السياسي, بما يتسق ووضع حالي متغير في كل الأحوال، وتاهت هذه الأقطار في كيفية التعاطي مع أمريكا من صوب, وأوروبا من صوب, ودول أسيا أيضا، وروسيا الوريث الشرعي للاتحاد السوفيتي.

فدولة مثل مصر مثلا, أبقت على علاقتها مع أمريكا بشكلها الجديد كقطب أوحد يقود العالم، محافظة على شعرة معاوية مع الكيان الصهيوني التابع لأمريكا أو العكس، بإرث معاهدة السلام بين مصر والكيان الصهيوني، لتعود مصر في عهد السيسي وتتجه فجأه تجاه روسيا في خطوة قد تكون مهمة لكنها جاءت متأخرة، فكان يجب أن تكون قبل عقدين من الزمن على الأقل، وليست مصر وحدها, بل أغلبية الأقطار العربية. والتوجه الدائم نحو أمريكا قبل انهيار الاتحاد السوفيتي, خوفًا من “الشيوعية ورجسها وقتها بحسب اعتقادهم”، وبعد انهيار الأخير لم يتغير الوضع! رغم ذهاب الشيوعية إلى الجحيم، ازداد العرب ارتباطا بأمريكا, المنحازة ضد قضاياهم على طول الخط، بل وتقف بالمرصاد لأي إدانة تطال الكيان الصهيوني المحتل, للأراضي العربية لا ينوي الانسحاب منها, بل يقضمها كالغول بحسب تسلسل زمني, يقابله ترهل عربي دائم.

 

العرب ضحية أنفسهم!

لكن هناك سؤال مهم يطرح نفسه, العرب “هل هم ضحية أنفسهم  أم ضحية النظام العالمي؟” بالتأكيد الحكام العرب هم القادرون على الإجابة على هذا السؤال، فما يروج له الإعلام العربي دائما بأننا ضحية المؤامرات والدسائس, والنظام العالمي والدول الاستعمارية, هو صنيعة هؤلاء الحكام، فالإعلام العربي موجه لما يخدم بقاء الحاكم، وليس لما يخدم قضايا أمته، ساعد على ذلك التوجه الديكتاتوري لكل الحكام العرب بلا استثناء, حتى بعد الربيع العربي لم يتغير الوضع ولو قليلا، فهم يرون ما لم ترَه الشعوب, ويعتبرونهم رقما مغيبا أو مُلغًى من قاموس تشكيل كيان سياسي متكامل الأركان يمكنه التعاطي مع النظام العالمي، إذن العرب ككل ضحية أنفسهم.

فدول العالم بكل كياناتها السياسية من غرب وشرق، دائمة البحث عن مصالحها ومصالح شعوبها, ولا يعنيها أبدا أن يتمتع شعب عربي بالحرية والديمقراطية المتعارف عليها في العالم، فالمهم عندهم الاستفادة من أي قطر عربي، وبحسب ذلك يكون التعامل، وما يزيد الأمر صعوبة, هو إيمان أي حاكم عربي أنه لن يبقى في سدة حكمه التي عادة لا ينهيها سوى موته. هو إيمانه بأن رضا أمريكا عن نظامه الوتد, الذي سيجعل منه حاكما مستقرا، وهنا الكارثة, بأن هؤلاء الحكام يغيبون شعوبهم، ويتحولون إلى أشباه الآله، “بشار الأسد مثال” وغيره من الحكام العرب، ولا ننسى مقولة الراحل القذافي الشهيرة “من أنتم؟” كان يقصد شعبه الثائر قبل 5 سنوات وقتها، فأنظمة بهذا الجهل السياسي على صعيد بلادها والعالم، كيف تنتظرون من دول العالم أن تنظر إليها، بالتأكيد ستكون نظرة احتقار قبل أن تكون نظرة مصلحة لا غير، كما هو الحال منذ أكثر من نصف قرن, واستغلال البترول العربي, والتحكم في سعره بحسب اقتصاديات النظام العالمي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد