(هذا السؤال الخطأ «أين الله؟»، حتمًا سيعطي جوابًا في الاتجاه الخطأ.)

يبدأ الكاتب الأستاذ أحمد باوزير مقاله بهذه الجملة، هذا السؤال الخطأ – في زعمه – هو نفس السؤال تماما الذي وجهه المعلم الأول، سيد ولد آدم، البشير النذير، صلى الله عليه وسلم للجارية في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، عن معاوية بن الحكم السلمي، في هذا الحديث سأل الرسول الجارية سؤالين، من أنا؟ وأين الله؟ وأمر الرسول الصحابي الراوي بعتق الجارية بسبب أنها مؤمنة لإجابتها السؤالين بشكل صحيح.

الإشكالية تكمن هنا في عدة نقاط

الأولى: أن الكاتب ربط بين الخطأ في توجيه السؤال – حسب اعتقاده – وبين المظاهر السلوكية المنافية لتعاليم الدين الإسلامي، وهو ربط بعيد لا يسانده منطق ولا يؤيده عقل، فالقضايا الاعتقادية عند أهل السنة، أو الكلامية والفلسفية عند من عداهم، ظل المسلمون يتداولونها ويطرحونها طيلة قرون، وخاصة إبان أمجادهم العظيمة وقت أن غزوا الصين شرقا وفرنسا غربا، دون أن يدعي مدع ان على المسلمين الكف عن طرح مثل هذه القضايا، ثم إن كافة الحضارات وكافة الأديان لها قضاياها الاعتقادية يختلف فيها الناس أو يتفقوا وهو نشاط عقلي فرضته طبيعة الأمور واختلاف الأفهام.

الثانية: أراد الكاتب أن ينصر قضيته بالإشارة في عجالة إلى ضعف الحديث بقوله: (أما الحديث الذي تضاربت الأقوال في صحته) ولو أنصف لأشار – في عجالة أيضا – إلى ان هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه الذي تلقاه المسلمون بالقبول كثاني الكتب الصحيحة بعد صحيح البخاري، وكذلك رواه أحمد في المسند، وأبو داود والنسائي في السنن، وشهد له أئمة الحديث بالصحة كالذهبي وابن حجر العسقلاني قديما والألباني حديثا وغيرهم كثيرون.

الثالثة: يشير الكاتب إلى جهل الجارية التي سألها النبي الخاتم بقوله: (سؤال الرسول للجارية أين الله؟ فهو سؤال للعامة من الناس، والله يقبل من الجميع على مستوى فهمهم وإدراكهم) وهنا يذهب الكاتب مذهبا غريبا، ويقرر حقيقة تنبع من ظنه وظنه فقط، فما كل جارية جاهلة، فقد كان من الموالي والعبيد سادة في الإسلام يعرفهم القاصي والداني، والجاهل والعالم، ومن فضل الكلام أن نقرر من كان سلمان الفارسي أو بلال بن رباح، وما كان لهم من قصب سبق في العلم والجهاد سادوا به من كانوا وقت البعثة أحرارا.

ولكننا رغم هذا كله لسنا في مقام المناظرة أو التفنيد، لأن المقال الذي يناقش أمرا علميا يجب أن يقدم مقدمات وفرضيات تؤدي إلى نتائج منطقية، وأن ينحو نحو الموضوعي لا الذاتي، وألا يطلق قواعد عامة ومطلقة لم يقدم لها أدلة.

إن أهل السنة والجماعة بذلوا الوسع والجهد في تحديد مصادر التشريع القرآن والسنة الصحيحة أولها، فإن لم نحدد مصادرنا ونتفق عليها تغيرت النتائج والمآلات، وإن الباحث المحايد يبحث في الأدلة ليصل إلى الحكم، أما صاحب الهوى فيضع القاعدة ثم يجمع لها الدلائل مهما كانت واهية، فالأصل عنده أن يساند فكرته ويدعمها تلك التي قررها واعتقد صحتها سلفا وأصبحت عنده حقيقة مطلقة.

في حالتنا هذه اصطدم الباحث بحديث واضح في ألفاظه لا يحتمل التأويل فما كان منه إلا أن ضعفه من عنده بكل بساطة لينصر مذهبه، ولم يكلف نفسه حفاظا على حق القارئ أن يفصل له القول في هذا الموضوع بل سار يأول ظاهر الآيات التي تعارض اعتقاده، ويأخذ بظاهر الآيات التي يؤيد ظاهرها رأيه.

وإن صفة العلو التي يناقشها الباحث وكأنها فرضية ضعيفة هي صفة من صفات (القاهر فوق عباده) سبحانه وتعالى عليها من الأدلة ما يعجز المقام عن سرده وهو ما سنسوقه في مقالات قادمة بتوفيق الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الله
عرض التعليقات
تحميل المزيد