حملت المرأة الحلبية طفلها الصغير، وخرجت من بيتها تركض هاربةً من القصف الوحشي على المدينة، تتنقل بين المنازل المدمرة، والأشلاء الممزقة على الأرض.. حتى وصلت إلى مكانٍ اعتقدت أنه آمن من شبح الموت، شدت ولدها إلى حضنها وقالت «يا الله ما النا غيرك يا الله»، نظر الولد إلى أمه الباكية وقال «هل الله يرانا حقًا؟ لماذا لم يفعل شيئًا لأجلنا؟».. تنهدت المرأة وقالت «سينصرنا الله إن شاء الله»، فرد الطفل بكل براءة: «بعد شو!».

هذه الحكاية الرمزية، وهذا الطفل الصغير قد يُمثل في قلبه العديد ممن أصيبوا بالوهن في قلوبهم، ودب اليأس عقولهم؛ حتى باتوا لا ينتظرون نصرًا ولا تمكينًا.. إنما اقتنعوا أن هذه الحالة ستظل ما ظلوا، وأن الغلبة للأقوى!

بعد شو!

مَن لم يقرأ التاريخ لن يفهم هذا الواقع أبدًا، ومحاولة فصل الماضي عن الحاضر ما هو إلا عبث، فالمصائب التي تنزل على هذه الأمة في هذا الزمن بالشام وبورما والعراق واليمن وليبيا، قد نزل أشدّ منه وقعًا، وأعظم منه جللًا، وقد تحقق نصرُ الله المبين.. لكن «بعد شو!».

بعد أن يعود شبابُ الأمة إلى دينهم، وعقيدتهم، وأن يهجروا ملذات الدنيا، وأن يجعلوا هم الأمة همهم، لا أن تكون أولى أولوياتهم لعبة كرة القدم، أو البرامج الغنائية فارغة المضمون.. بعد أن نجد في شباب الأمة همة أبي بكر، وشموخ عمر، وحياء عثمان، وشجاعة علي، وصلابة الفاتح؛ وهذا الأمر ليس مستحيلًا؛ فالتاريخ القديم والحديث أثبت لنا وجود هؤلاء في كل زمن، وموضع.

بعد أن تتوحد الأمة على هدف النصرة، وأن يكونوا أملًا للمظلومين في بقاع الأرض، وأن يكون حكام هذه الأمة على بصيرة، ويعلموا أن الخطر الذي يصيب البلاد سيصيبهم، وأن عدم التحرك نحو نصرة المظلومين سيدفع الطغاة والصليبيين والفرس للتحرك حتى السيطرة على كل هذه الأمة؛ وتلك أمانيهم!

بعد أن تصفى نفوس المسلمين، فنحبُّ الخير لغيرنا كما نحب لأنفسنا، ونسعى لغيرنا كما نسعى لأنفسنا، ونأمر بالخير والمعروف والإصلاح، وننهى عن المنكر من قولٍ أو فعل، ونساند المظلوم، ونرفع الصوت في وجه الظالم!

بهذه يا صغيري، ستنتصر هذه الأمة، وسترتفع رايتها، وسنكون حقًا «خير أمة أخرجت للناس».

حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُل

وقد يقول قائل: بمثلِ ما قلت فلن نرى النصر! وحتى لا يصيبكم اليأس مجددًا، فما ذكرناه ليس شرطًا أن يكون حالة عامة لكل الأمة، فالنصر يتحقق بالثلة القليلة المؤمنة، ولم يذكر التاريخ أن الأمة الإسلامية في يوم من الأيام كانت كلها على مستوى الصلاح المطلوب، بل كان الملتزم وكان المنافق، كان الأمين وكان الغاش، كان المظلوم وكان الظالم، ووسط هذه المعمعات يُخرج الله من أصلابنا رجلٌ يقيم قيامة الأمة، ويعيدها إلى سيرتها الأولى.

ولكن متى؟ فالقرآن العظيم أخبرنا عن الموعد الحقيقي لظهور نصر الله «حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجرِمِينَ».. ولاحظ جيدًا، فاليأس المذكور في هذه الآية لا يصيب عوام الناس فحسب، بل يصيب الرسل، فإن كان الرسل قد أصيبوا باليأس، فما حالة العوام!

في هذه الحالة، يُنزل الله نصره على يد من يشاء من عباده، وتصبح كلمته هي العليا، ويضرب البأس القوم المجرمين.

وأمام هذا المشهد اليقيني  بحتمية النصر الموعد للإسلام وأمته، نستذكر ونختم بمقولة خالدة لأحمد ديدات «الإسلام بك أو بدونك سينتصر، أما أنت فدون الإسلام ستضيع وتخسر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الامه, حلب, سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد