عندما تطأ قدمك لأول مرة أرض السودان الشقيقة، فسترى وجه دولة أفريقية بامتياز، قبل أن تكون عربية أو إسلامية، فقر وضعف شديد في البنية التحتية والمرافق الحكومية، حتى أن الدكتور سليمان المهل قد كتب في مقال له عن أن السودان اضطرت في مرحلة من التدهور إلى توقف السكك الحديدية بسبب عجز الدولة عن توفير قطع الغيار اللازمة لتشغيل المحركات، ليبقي السؤال: كيف وصلت السودان إلى تلك الحالة المتدهورة؟ وأين أرز الخليج واستثماراته منها؟ وكيف يمكن خروجها من كل هذا؟

كيف وصلت السودان إلى عنق الزجاجة؟

في العام 1990 أثر موقف السودان من غزو العراق للكويت إلى انضمام الدول الخليجية إلى الحصار الاقتصادي والسياسي الذي قد فرضته الولايات المتحدة علي السودان منذ العام 1983 في عهد الرئيس السابق جعفر نميري؛ مما زاد الأمور سوءًا في تلك الدولة الأفريقية العربية التي كانت تخطو أولى خطواتها نحو الاستقرار والتنمية، ولم يتوقف الأمر، بل الأسوأ هو ما حدث بعد أحداث سبتمبر (أيلول) 2011 عندما وضعت الولايات المتحدة حكومة السودان في قائمة الدول التي يمكن محاصرتها اقتصاديًا، وكل هذا يرجع إلى سياسات حكومة دولة السودان التي اتبعتها على الصعيد العربي والإسلامي بداية من دعمها لصدام حسين وبن لادن، نهاية بإيران ومحور المقاومة المكون من: سوريا، وحماس، وحزب الله، ولكن بعد كل هذه السنوات هل استطاعت السودان التغيير والتعديل من سياساتها لتجاوز ذلك الحصار مع الولايات المتحدة وتحسين علاقاتها مع شقيقاتها دول الخليج، أم ما زالت الأمور كما هي بعد مرور أكثر من عقدين على ذلك؟

هل اتخذت السودان الخطوات اللازمة؟

استطاعت السودان في السنوات الست الأخيرة أن تعيد تغيير اتجاه بوصلة سياساتها، وأي حلف تختار، وقد اختارت دول الخليج حتى أنها أغلقت كل المراكز الثقافية الإيرانية بها؛ كونها تدعو للتشييع كما قالت الحكومة، التي وثقت علاقتها أكثر مع السعودية والإمارات من خلال إرسال قوات سودانيه للمشاركة في حرب اليمن التي ليس لها لا ناقة ولا جمل، وعندما تأزمت الأمور بين دول الخليج، وقطعت السعودية والإمارات علاقتها بقطر تعلمت السودان هذه المرة أن تلتزم بموقف الحياد في تلك الأزمة الذي يجنبها عواقب وخيمة؛ نظرًا لأن السعودية تمثل ضغطًا على الولايات المتحدة لفك الحصار عن السودان، والذي قامت إدارة أوباما بتقليصها والنظر إلى رفعها نهائيًا بعد ستة أشهر من يناير (كانون الثاني)، والذي مددتها إدارة ترامب لثلاثة شهور أخرى بعد مرور المهلة، بالرغم من ذلك كانت السودان مطمئنة طالما أن العقوبات لم تتجدد مرة أخرى.

أين أرز الخليج ليسمن جوع التنمية في السودان؟

استطاعت السودان جذب بعض الاستثمارات الخليجية لها بعد سياستها الجديدة مع المنطقة وموقعها المتميز فهي تملك 200 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة تمت زراعة حوالي 30 مليون فقط منها بجانب وفرة المياه وموقعها الجغرافي والاستراتيجي لدول الخليج، إلا أن الاستثمارات الخليجية ليست كافية بالقدر الذي يغني من جوع تنمية السودان الذي يمتلك بنية تحتية فقيرة تضطر الكثير من المزارعين للتخلص من فائض مزروعاتهم لعدم وجود طرق كافية لنقلها وتوقف خطوط السكك الحديدية، ونقص السفن التي تعد على أصابع اليد الواحدة، وإذا أردنا ترتيب الدول من حيث استثماراتها هناك تكون الأولى السعودية بحوالي 15 مليار دولار، ثم الكويت وقطر والإمارات، ولكن هل استثمار الخليج بقدر قيمة السودان بالتأكيد لا؛ نظرًا للاستثمارات الخليجية الكبيرة؛ فالسعودية لشدة كرمها أعطت ترامب 400 مليار دولار استثمارات، أما قطر فقد  بلغت استثماراتها ببريطانيا وحدها حوالي 52 مليار دولار.

فلما تبخل دول الخليج على الاستثمار في السودان، والتي ستعود عليها بأضعاف مضاعفة من الفوائد؟

نفاق أم زهايمر!

في النهاية علينا أن نتكاتف جميعًا من أجل هذه الدولة الشقيقة من أجلنا قبل كل شيء، فتنمية السودان الاقتصادية والزراعية، وحتى السياسية تعني توافر سلة غذاء للوطن العربي بأكملها تغنينا عن حاجتنا للدول الغربية والأجنبية وتفتح طريق لهذا البلد الأفريقي العربي نحو المستقبل؛ ما يؤلمني في النهاية هي برامج التلفزة الخاصة بالمساعدات والإنسانيات التي تذهب إلى آخر أفريقيا متناسين بأن الأقربين أولى بالمعروف، وأن السودان في حاجة لتلك المساعدات مثل تلك الدول تمامًا، وقد تكون مساعدتها خيرًا لهذه الدول أيضًا يعم الجميع، لذا لا تنسوا السودان الشقيق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست