استقرت في بعض الدول العربية فكرة مفادها؛ أن إسرائيل احتلال يجب أن يزول، وإلا لن يستقر الشرق الأوسط، في حين رأت أخرى منها مكسبًا يعول عليه في تحقيق الأمن والاستقرار، ففي كلا الحالتين تركيز خاطئ؛ ففي سُنَّة الحياة «ألَّا تتحالف مع الشيطان وفي نفس الوقت لا يجب تجاهله». لا ننكر أنه ليست هناك دولة في العالم تأسست في بيئة معادية مثل الكيان الصهيوني، وكانت منذ حلولها مثل السرطان الذي وجد جسمًا مترهلًا؛ فانتشر بسرعة، لكن يبقى عامل تخصيب التربة لوجوده كان غربيًا محضًا بمشروعي «سايكس بيكو» نسبة لـ«مارك سايكس» البريطاني و«فرانسوا جورج بيكو» الفرنسي، ومشروع الشرق الأوسط الكبير، للصهيوني الأمريكي «برنارد لويس» جعلا العرب يرفضون أن يكونوا رقمًا صعبًا في الساحة الدولية، وأصبح يتعامل معهم باعتبارهم أقلية، ومكونًا طفيفًا في بلدان كانت يومًا ما أمة ذاع صيت قوتها، ملكت وامتلكت.

منذ معركة الريدانية 1517م بين دولة المماليك والدولة العثمانية؛ عاش العالم العربي في أمن واستقرار نسبي نوعًا ما تحت لواء الدولة العثمانية، ولم يحدث أن تجرأت أمة من الأمم على المساس بها، وإلا بترت يدها وكانت المقر الأخير لها، ويعتبر الإسلام العامل المحوري في تكاتف وثبات الأمة، وعليه تم اللعب على أوتار الدين وتجحيده من طرف الغرب، وهذا بدعم المنظمات والحركات الأيديولوجية الحديثة مثل: العهد، والجمعية القحطانية، والجمعية السورية.

ولكن أهمها والأكثر تأثيرًا هي جمعية الاتحاد والترقي؛ التي غيرت عناصر الثقافة العربية بإعلاء العروبة على الإسلام ودعم الثورة العربية الكبرى، بقيادة «الشريف حسين بن علي» سنة 1916م القائمة على مبدأ الاستقلال لتأسيس إمبراطورية عربية، كما وعد بها الإنجليز. في نفس العام الذي حصل العرب على الاستقلال عن آل عثمان سنة 1916م أمطرت عاصفة «سايكس بيكو» ومؤتمر «العقير» سنة 1922م واتفاقية «دارين» بسكاكين لقطع أوصال اللحمة العربية، وتحويلها إلى شتات يفصل بينهم حدود وهمية، وكانت كل دولة بما كسبت هي سعيدة.

إضافة إلى المشروع الفرنسي البريطاني الذي أتى مثل السرطان الذي فرق شمل العروبة، وقضى على حلم السيادة، ظهر مشروع آخر تزامن وسقوط الاتحاد السوفيتي، العدو اللدود للغرب، كانت أمريكا بحاجة لعدو جديد، كان مرجحًا بين الحضارة الكونفوشيوسية والحضارة الإسلامية؛ فانتهى بهم المستقر على الإسلام.

في سنة 1993م صادق الكونجرس الأمريكي على مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي أعده الصهيوني «برنارد لويس» القاضي بإعادة رسم الحدود الجغرافية للوطن الإسلامي بالدم العربي، كما وصفها «رالف بيترز» بحدود الدم اعتمادًا على عنصري العرق والطائفة، ووصف الحدود الحالية في المنطقة العربية بأنها حدود ظالمة للأقليات، وتم اعتماد المشروع بأن يكون ضمن سياسة أمريكا المستقبلية، وفق ما يخدم المصلحة الأمريكية بمنظور جديد، وهذا ما عنته وزيرة الخارجية الأمريكية «كونداليزا رايس» سنة 2004م بإعادة النظر في حلفاء أمريكا التقليديين والجدد، وما يهمنا في هذا التصريح هو في الحلفاء العرب التقليديين الذين سيعنيهم المشروع، وأعني بهم الأسر الحاكمة في الخليج، التي لم تعد تخدم الأمريكان بشكل فعال أو بشكل يُرضِي السياسة الأمريكية.

باشرت أمريكا تنفيذ المشروع بداية بأفغانستان بحجة الحرب على الإرهاب سنة 2001م، ثم مرت على العراق الذي يقول عنه « آلان جرينسبان» محافظ البنك المركزي الأمريكي في كتابه عصر الاضطراب: «إنه يحزنني أنه من غير المقبول سياسيًا الاعتراف بما يعرفه الجميع أن الحرب على العراق كانت إلى حد كبير من أجل النفط». ويستمر إضعاف الدول العربية واستثارة النعرة الهوياتية، وتغذيتها وتوظيفها لأغراض السياسة العالمية؛ فتقسيم السودان، ومصير سوريا ومصر، وماذا عن التحالف العربي ضد العربي اليمني؟ فكل هذا لم يكن إلا تحصيل حاصل للتشرذم العربي الذي نظر له الشياطين.

هذا غيض من فيض، ما يمكن إيجازه حول تاريخ تقسيم الكتلة الواحدة، والمكائد التي تحاك ليل نهار على أمة كانت يومًا قوية، ولنا أن نلاحظ انقلاب الأدوار بين اليهود الذين كانوا شتاتًا والتحامهم، والعرب الذين أصبحوا خبر كان، والتعامل معهم باعتبارهم أشخاصًا من الدرجة الثانية، ولا يزال مفتاح الأمن وبناء قوة تنافسية بيد الحكام العرب الذين يدينون بديننا ويتكلمون باسمنا ولساننا، ويجندون أفرادا منا ضدنا، أن يعوا مسألة الشرف المستباح من كل طامع بنا؛ لأن التحول من الضعف إلى قوة لا يحتاج موافقة العدو، ولو اتحد العرب لقذفت إسرائيل من فلسطين كما تقذف النواة من الفم، أعلم أني لم آتِ بجديد فقط مجرد تذكير؛ لأن الذكرى تنفع المؤمنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!