شهدت الجزائر منذ 22 فيفري (فبراير) المنصرم حراكًا لم تشهده أي دولة أخرى من قبل، حراك بخصائص جزائرية خالصة، حراك جاء بعد تطورات وتراكمات شهدتها عهدات الرئيس السابق بوتفليقة والتي تركت خلفها ألغامًا ذات تأثير خطير في المرحلة القادمة التي تختلف مسمياتها من طائفة إلى أخرى ومن جهة سياسية إلى أخرى.

وبالعودة إلى نقطة البداية فإن إعلان بوتفليقة ترشحه لعهدة خامسة أو بالأحرى إعلان زبانيته ترشيحه بحكم أن وضعه الصحي لم يكن ليمكنه حتى من الوقوف أو التركيز في قضية ما، هذه النقطة أخرجت الجزائريين بنسبة عظيمة إلى الشارع تظاهرًا ضد هذه الخطوة، من الذي أخرجهم ومن الذي مكنهم من التظاهر في مأمن من القمع واعتراض قوات الأمن التي ما فتئت منذ 1999 تقمع أية مظاهرة حتى ولو كانت بمطالب مهنية فما بالك بالسياسية.

انطلق الحراك ضد العهدة الخامسة فما لبث أن تحول إلى مطالب أخرى بعد أن ألغى جماعة بوتفليقة ترشحه، انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة الفيسبوك دعوات لمحاكمة الجماعة الحاكمة ومحاسبتها على ما آلت إليها البلاد في أربع عهدات كارثية انتشر فيها الفساد في جميع المجالات واستطاعت مجموعة من رجال المال بالتواطؤ مع شقيق الرئيس السيطرة على الأمر والنهي في البلاد وتمييع السلطة واغتصاب صلاحيات الرئيس. ووصل بها الحد إلى الاستهتار بالشعب من خلال ترشيح رئيس مقعد مريض لم يكلم شعبه منذ 2012.

انتقلت المطالب بعد أن قامت المؤسسة العسكرية بطريقة سياسية باعتقال بعض رجال المال وشقيق الرئيس وقادة مخابرات سابقين وتقديمهم للعدالة العسكرية بتهمة التخابر مع جهات أجنبية، وتحويل رجال أعمال ممن كونوا ثروتهم في كنف بوتفليقة إلى المحاكم العادية، انتقلت المطالب في لحظة إلى المطالبة برحيل الجميع.

وبين هذا وذاك برزت عبر الفيسبوك وجوه سياسية بعضها كان يمثل المعارضة في عهد الرئيس المنتهية صلاحيته الراغبين في ركوب موجة الحراك ووجوه أخرى سوقت لها صفحات فيسبوكية وأكسبتها شهرة في ظرف قصير وصفحات أخرى أعلنت مساندتها للجيش ورسمت له صورة نمطية ولقائده أحمد قايد صالح، هنا ظهرت للوجود صراعات عدة وأصبحت الجزائر حلبة صراع:

أولًا: جماعة شقيق الرئيس شكلوا حكومة ألغام وذهبوا تاركين خلفهم إشكالات دستورية من بينها عدم إمكانية إقالة الحكومة من طرف الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح.

ثانيًا: الجيش يستند إلى تأييد الشعب ويسعى في مساع لا أحد يعلم أين ستنتهي وفئة أخرى متخوفة من فكرة تدخل الجيش في السياسة خوفًا من بقاء نفس السيناريو منذ 1956.

ثالثًا: جماعة الدولة العميقة يلهثون بكل السبل الحلول محل النظام السابق والتمسك باتهام الجيش بالتدخل في السياسة وعرض خدماتهم بطريقة ما كممثلين للحراك وكنخبة من حقها استلام السلطة وتسيير المرحلة الإنتقالية التي يتحدثون عنها.

رابعًا: حراك شعبي لا يستطيع حتى تعيين ممثلين عنه ويكتفي بالحديث الفارغ والجدال العقيم حول جدوى المرحلة الإنتقالية وانتخابات 4 جويلية (يوليو) التي دعا إليها الرئيس المؤقت بن صالح.

خامسًا: التخوين: مؤيدو الجيش يرون في الانتخابات الحل ويصفون رافضيها بالزواف أو بالأيادي الخارجية، جماعة الدولة العميقة ترفض الانتخابات وتصف من يطالب بها بالخائن وتطالب بفترة انتقالية وهي فكرة مرفوضة لدى فئة كبيرة من الحراك ومرفوضة عند الجيش ومؤيديه. فئة كبيرة من الحراك تصف مؤيدي الجيش بـ«لحاسي الرونجاس» وتصف جماعة الدولة العميقة بأنهم عملاء للخارج.

سادسًا: فئة قليلة جدًا ترفض مبدأ «يتنحاو قع» وترى الحل في لجنة مستقلة لتنظيم انتخابات قد تنقذنا من هذه الورطة وهذه الفئة أقرب الواقع.

إن تتبع هذه المراحل التي مر بها الحراك والتطورات الخطيرة التي تشهدها البلاد منذ 22 فيفري (فبراير) يجعلنا نجزم أن الحراك قد فقد البوصلة أو سرقت منه ولا سبيل إلى حل سوى تمكين الشعب من خوض انتخابات تؤطرها لجنة مستقلة وتشرف عليها حكومة غير حكومة بدوي التي لا يقبلها أحد، ولربما يسير الجيش بخطوات ثابتة نحو حلول دستورية كما نادى بذلك منذ بداية الحراك، حل قد يمكن من الانتقال إلى مرحلة البناء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد