أليس الشيطان هو من أغوى آدم وحواء وطردهما من الجنة؟ وبما أنّنا أبناء آدم وحواء فعلينا أخذ الحيطة والحذر من إغواء الشيطان، فهو الذي يدعونا إلى الغيبة، والسرقة، والنميمة، والجريمة وكافة الذنوب، هو الذي يدعونا إلى كافة المفاسد الأخلاقية.

إذن كل ما هو سيئ من الشيطان، ما أسهل هذا الأمر، بل ما أسهل هذا المخرج الذي يتخذه الإنسان لإلقاء أخطائه على وساوس الشيطان. فإن كان الشيطان شريرًا ولا يمكن قهره فلا داعي لنا نحن البشر أن نلوم أنفسنا، أو أن ننتقد ذاتنا ونُصوّبها. أليس الشيطان واحدًا في جميع بقاع الأرض؟

ولكنّ الانحطاط الفكري في البلاد المحسوبة على الإسلام يثير الورع، واليقظة العقلية في البلاد الأخرى تثير الدهشة، وما هذه اليقظة إلا صدى للفطرة السليمة التي سُجِّلت وصاياها هناك على أيدي أصحاب العلم والقانون والحُكم بما يتوافق مع تعاليم الإسلام، فقد توافق عندهم وحي التجربة مع وحي السماء الذي نحيا في بُعدٍ عنه، نتيجة جهلنا الشديد بأسراره السمحة، فحَمَلة العلم في بلادنا لا يضعون بين أيدينا إلا جملة حقائق محصورة في نطاقٍ ضيق جدًا، أو حقائق مشوبة بأفكارٍ مغلوطة متعصبة، فإذا كان صاحب العلم والدعوة مشوه الفطرة ملتاث الحقيقة فلا قيمة لكثرة ما يملك من نصوص سماوية أو ما يعرف من أحكام حياتية وعبادية في نفعته ونفعة مجتمعه، بل عليه أن يقضي على شروره الداخلية كي يفطن بالرسالة القابعة وراء ما يملك من علوم.

فماذا لو تخيلنا للحظة واحدة أن الشيطان غير موجود، عندها سنكتشف أن العذاب الذي يوقعه المرء على نفسه وعلى من حوله كبحرٍ بلا نهاية، سنكتشف أن الجحيم يقبع داخلنا وكذلك الجنّة، فلو أدركنا هذا المعنى جيدًا لكففنا عن التفكير بأن الشيطان يقبع خارجنا، ولبحثنا في أنفسنا بصدق وانتهينا عن تعقب أخطاء وعيوب الآخرين، ولأنار قلبنا ببصيرة تُميز بين الرثِّ والجيد مما يتم تداوله من أفكارٍ اجتماعية ودينية.

ما أجمل أن يعترف كل إنسان بأن الشر يقبع داخله كما الخير، ويُعيد تنظيم نفسه بين الحين والحين، ويُرسل نظرات ناقدة إلى دواخله النفسية ليتعرف على عيوبها وأمراضها، فكما يحتاج البيت بأركانه إلى ترتيب وتنظيف بعد يوم عملٍ شاق لتنعم فيه بالراحة، فإنّ النفس أجدر بإعادة ترتيبها وتنظيفها والسمو بها وهي تستحق كلّ الجهد لذلك.

فقد خلق الله تعالى الإنسان وجعله أكثر المخلوقات تبجيلًا، فهو الأكثر حاجة للتنقيب في مكنونات نفسه وتعهُد حياته الخاصة والعامة بما يصونها من العلل والتفكك، ليمنح سلامه العاطفي والأخلاقي والنفسي تماسكًا كتماسك حبات البلح في عُرجونها.

فكما يحتفظ الجبل بالصدى في داخله، يقبع صدى أفعال الإنسان في داخله، إن لم يستمع الإنسان لهذا الصدى مُراجعًا له ومنقيًا، فإن الصدى سيعتكر بأصوات الفطرة السيئة ولن يعكس إلا شرًا.

إنّ من يعترف بمساوئه وشروره الداخلية ثم ينظفها، سينشر بهجة وعطرًا مهما كان غارقًا في وحل القذارة، كالزهور التي تنبت من تحت كومة الأوساخ والتراب المالح متحدية الماء الكدر والحمأ المسنون، ناشرة عطرها ولونها المبهج رغم اتساخ العالم من حولها، فهي تنبت من بذرة ذات أصلٍ فطري سليم، بل سيصبح حينها الإنسان جدولًا من الوعي المتدفق نحو شلالات النجاح اللامتناهية.

فالفطرة السليمة تحوّل الإنسان إلى سرير الماء الذي تتوقف عنده النفوس المهاجرة الباحثة عن الدفء، اعتن بنفسك جيدًا واعترف بأخطائها وبشرورها القابعة داخلك، فهذه هي الخطوة الأولى للنهوض مجددًا مهما كانت الظروف من حولك، وهذا النهوض لن يكون فاشلًا، لن ينقصه قوة العزم والتحمل، لأنّك حينها تكون قد أمسكت بمثبطات تغييرك نحو الأفضل وقد وضعت يدك على موانع الخير لديك.

الحاضر الماثل بين يديك ونفسك التي في جوانبك، والظروف الباسمة أو المعتمة التي تلتف حولك، هي وحدها التي يتمخَّض عنها مستقبلك. فلا تلم إنسانًا أو شيطانًا، بل لُم نفسك، ولا تتبع عيوب من حولك، بل ابدأ بعيوبك. ولا تسأل «أين يقبع الشيطان؟»، بل ابحث في قلبك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد