هذا السؤال الخطأ «أين الله؟»، حتمًا سيعطي جوابًا في الاتجاه الخطأ، وهذا الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه اليوم من تردي؛ إذ نرى المساجد مكتظة بالمصلين والشوارع خاوية في رمضان؛ لأن الكل صائم، ولكنهم في أخلاقهم وتعاملاتهم التجارية، فإنك لا ترى، إلا الغش والخداع، إلا ما ندر، وما ذاك، إلا بسبب ضعف مراقبة الله في النفوس، وما ينتج عنه من اعوجاج في السلوك، وكأن الصلاة والصيام هي ضريبة لابد أن تدفع لدخول الجنة فقط لا غير!

ما هكذا العقيدة التي يجب أن نتعلمها ونفقهها من القرآن الكريم أيها المسلمون.

هذا السؤال الخطأ أفضى إلى ظهور مدرستين:

المدرسة الأولى

تحد الله في السماء السابعة بعيدًا عن خلقه، وهربت من تأويل آيات القرآن الكريم؛ لتقع فيه مرة أخرى، لتأول قوله تعالى «وهو معكم أينما كنتم»، تأوله بالعلم، أي معكم بعلمه؛ فنتج عن هذا المفهوم ضعف مراقبة الله في النفس البشرية لدى بعض الناس على الأرجح، وإن كانت هذه المدرسة استهوتهم، وحظيت بالقبول لديهم؛ لبساطة تفسيراتها وسهولة تقبلها.

مشكلة الإنسان أنه أسير الزمان والمكان، ولن يعرف الله كما يجب، ما لم يتحرر من هذا الأسر، ولهذا تجد أن الله نسب المكان إلينا، ولم ينسبه إلى نفسه حين قال سبحانه «وهو معكم أينما كنتم»، ولم يقل أينما كان هو؛ فالله فوق الزمان والمكان، وهو خالقهما. أما الحديث الذي تضاربت الأقوال في صحته، وهو سؤال الرسول للجارية أين الله؟ فهو سؤال للعامة من الناس، والله يقبل من الجميع على مستوى فهمهم وإدراكهم، ولن يطلب من الجميع بأن يكونوا في مستوى واحد من الإيمان والمعرفة، المهم أن يقبل الإنسان على الله بصدق، ويسلم وجهه لله، وهو محسن!

وحتى يكون الإقبال سليمًا، والتوجه مخلصًا، لابد أن يكون الإله معظمًا في النفوس، من خلال التصورات التي لا يعتريها نقص، وتصل إلى الكمال. أما التصورات المنقوصة والهشة؛ فإنه لا ينجم عنها إلا إيمان هش، ويتبعه سلوك مشوه، فالرسول لم يسأل سيدنا «علي بن أبي طالب» سؤال الجارية ليختبر إيمانه، ولكن هذا الإمام العظيم في إحدى خطبه البليغة يقول عن الله «من حده فقد عده»، هذا كلام وعقيدة من تربى في بيت النبوة!

ولأن استيعاب الناس يختلف على حسب مستوى إدراكهم؛ لهذا جاء الخطاب القرآني على مستويات، فكل مستوى يجد ضالته، والدليل على ذلك أن تصورات الإنسان تتغير عبر مراحل حياته العمرية المختلفة.

ولكني أرى، والله تعالى أعلم، بأن العقيدة التي تحد الله في جهة في السماء هي عقيدة لا تتوافق مع قوله تعالى «وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» البقرة:115، وقوله تعالى «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ» (186) البقرة، وقوله تعالى «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ»(4) الحديد، وقوله تعالى «وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ»الزخرف:84

وعندما يصف الله نفسه بالأعلى، فهي صفة معنوية، وليست حسية فيها مشابهة للخالق بالمخلوق؛ لأن جهة العلو لكل شخص على كوكب الأرض، فهي نسبية تختلف من شخص إلى آخر حسب تموضعه ومكانه. مثلًا: عندما تكون واقفًا في جنوب الكرة الأرضية، فاتجاه العلو بالنسبة لك معاكس تمامًا لاتجاه العلو بالنسبة لشخص آخر يقف في الجانب الآخر شمالي الكرة الأرضية، فاتجاه العلو لأحدهما هو اتجاه الأسفل بالنسبة للآخر، وهذا يفسر قوله تعالى «فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم».

المدرسة الثانية

هؤلاء يعتقدون بأن الله في كل مكان، وأنه حل في كل شيء، وهم أصحاب مذهب الاتحاد والحلول من غلاة التصوف؛ وهي عقيدة النصارى من قبلهم، وهو تصور فلسفي قديم طبع بطابع الدين، وهؤلاء قد يبدو لك بأنهم أكثر إحساسًا بمعية ومراقبة الله لهم، إلا أنهم تخطوا حاجز المراقبة، وسور الأخلاق؛ ليبرروا لأنفسهم سوء أفعالهم، بل إن بعضهم جعل من نفسه إلهًا، وجعلوا من الحب والعشق الإلهي وسيلة، وثغرة لهدم الدين بالدين، وهذا ما نراه جليًا في رواية «قواعد العشق الأربعين»، فلم تجد الكاتبة غير التصوف، كمدخل لها لنسف قيم الإسلام، وهدم أخلاقياته.

أصحاب هذه المدرسة تجاوزوا المعية إلى الحلول والاتحاد بالذات الإلهية، وأزاحوا الحدود الفاصلة بين الخالق والمخلوق، تلك الحدود التي قررها القرآن الكريم في أكثر من موضع، وإليك هذا الدليل الرياضي الذي ذكره الله في كتابه العزيز، وهو من أقوى الأدلة، قال تعالى «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»المجادلة7.

تأمل جيدًا قوله تعالى «ثلاثة إلا هو رابعهم»، ولم يقل ثلاثة إلا هو ثالثهم؛ ولم يقل سبحانه أيضًا: ولا خمسة إلا هو خامسهم، ولكن قال سادسهم، وهذا دليل واضح وجلي لدحض فكرة وحدة الوجود؛ فاختلاف الأعداد في الآية يدل على تمايز الذوات.

ما قدروا الله حق قدره

لك أن تتخيل كيف ينسف القرآن حواجز الزمان حين يتحدث الله عن نفسه في قوله تعالى «أتى أمر الله فلا تستعجلوه…» سورة النحل:1.

أتى: فعل ماض، تستعجلوه: للمستقبل، لم يأت عندي وعندك، ولكنه عند الله قد أتى. آهٍ؛ ما أضعف الإنسان، وما أجهله! إذ لا يمكن أن يكون لوجودك قيمة، ولن تتشكل في وعيك معرفه من غير الزمان والمكان، وهذه الحالة صورها القرآن الكريم في حياة البرزخ؛ إذ قالوا حين بعثهم الله «لبثنا يومًا أو بعض يوم»!

فالكون الفسيح الذي أرهق فكرك والزمن العتيق الذي أدهش خيالك، ليس كذلك عند الله؛ فمن الخطأ الفظيع أن ننظر إلى علاقة الله بالأشياء، مثلما ننظر نحن إليها؛ لن تعلم كل شيء، إلا إذا كنت ليس كمثلك شيء؛ وطالما أنك شيء، فستعلم أشياء وتغيب عنك أشياء!

ولهذا السبب أصبح مكان الحمام والقاذورات هو الشغل الشاغل لأفراد المدرسة الأولى، وهم لا يدركون بأن الكيميائي ينظر للمادة النجسة، ذات الرائحة الكريهة، والمادة الطاهرة ذات الرائحة الزكية، كليهما في نظرة سلاسل «هيدروكربونية» ذات أصل واحد، لا يميز بينهما، سوى اختلاف بسيط في توزيع ذرات الهيدروجين، على سلسلة الكربون، ومن السهل تحويل أحدهما إلى الآخر.

ولك أن تتخيل بأن الورقة التي تسقط من الشجرة، إن لم يكن ذلك في علم الله وتقديره؛ لحصل فساد في الكون، قال تعالى «وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ»(59) الأنعام.

 لا رطبًا، ولا يابسًا، مصطلحان فيزيائيان دقيقان لم تصلهما الفيزياء بعد!

هذا الإحصاء الدقيق والضخم لهذه الحركات والجزيئات الذي ذكر في الآية، لم يكن ضمن اهتمامات البشر يومًا، ولعل الله ذكره؛ لنعلم أننا لن نستطيع أن نقدره حق قدره؛ بل إن القرآن يأخذك إلى أبعد من ذلك في قوله تعالى «وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ» (61) سورة يونس.

ولك أن تتخيل بأن هناك آلاف التفاعلات الكيميائية المعقدة التي تحدث في كل خلية من خلايا جسمك في كل لحظة، لو سار أحدها بالاتجاه الخطأ؛ لحصلت لك كوارث لا يعلمها إلا الله؛ ليتبين لك بأن حفظ الله للخلق لبقائهم لهو أهم من خلقهم، وهذا الشيء قلما يلتفت إليه الناس.

من هنا يتبين لنا بأن علاقة الله بالأشياء من الذرة إلى ما هو أصغر منها، وما هو أكبر هي علاقة علم وإحاطة وتقدير محكم لاستمرارية الحياة وديمومتها وحفظها من الفساد ؛ كما قال تعالى «لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا»، ولو وكل الله الخلق إلى أنفسهم طرفة عين لهلكوا، كما في الحديث النبوي «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين».

النتيجة

إننا نبحث عن دراية تجمع بين الحس الوجداني والمعرفة العقلية بعيدًا عن تهافت الفلاسفة ومزالق التصوف وقصر نظر المجسمة معرفة متوازنة، كما عرضها القرآن الكريم بصورتها المتزنة كما نحس ذلك في آياته التي تتسم بالحيوية والتدرج بالفكر الإنساني من القاع إلى القمة؛ إذ تأخذ بلباب العقل وتخرجه من غرفه المظلمة وتنثره في الكون الفسيح، ثم تجمع شتاته، وتحطه على جادة الصواب، بعد أن تفتحت مداركه؛ ليكمل مشواره التنويري بخطى ثابتة وصاعدة!

إنه التدرج.. سمة منهج الله

هذا التدرج التنويري العقلاني تصحبه ثورة وجدانية رائعة تستثار معها كل الأحاسيس والمشاعر الفياضة بالحب الإلهي لتضفي على صاحبها السكون والطمأنينة التي ظل يبحث عنها؛ لينخرط في سلك الوجود الكوني، ويتحرك معه بتناغم وانسجام ليدري من أين أتي؟ وإلى أين هو ذاهب؟ دراية يقينية بأنه أتى من الأول، وذاهب إلى الآخر، إنه الله. «هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» الحديد: 3.

فمتى استشعر الإنسان معية الله له وقربه ومراقبته في كل أحواله من ناحية مع الاحتفاظ بالحدود الفاصلة بين الخالق والمخلوق من ناحية أخرى بعيدًا عن فلسفة المكان والزمان، فقد صفت عقيدته، وبشرط أن يفضي هذا الشعور إلى عمل صالح.

وحتى تكتمل الصورة نلتقي إن شاء الله مع الجزء الثاني بعنوان «وكان عرشه على الماء».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد