السؤال الغائب

مع قرب الانتخابات الرئاسية في الجزائر، التي ستقام في أبريل (نيسان) القادم، خرج العشرات من المترشحين في القنوات التلفزيونية، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، كلٌّ منهم يبسط مشروعه، ماذا سيقدم، وماذا سيفعل وبماذا يحلم.

وبين هذا وذاك، اختلفت الآراء والأفكار، بنسب متفاوتة، ومنهم من هو مُوقِنٌ بعدم استطاعته بجمع التوقيعات اللازمة لقبول ترشحه من طرف المجلس الدستوري. وهناك من المترشحين من هو قادر على جمع التوقيعات إضافة إلى ذلك مرفوق ببرنامجه الرئاسي، الذي غايته إقناع المواطن بانتخابه، لما يتوفر من آمال وطموحات وتطلعات، يرى المواطن الجزائري أنها مَخْرَجٌ للانتكاسات والسَّقَطات المتوالية للنظام الحالي.

المواطن تائه أو شبه ذلك، فقد توالت الأيام والسنوات ولم يستطع الشعب الجزائري أن يرى الرجل المناسب، مرة لعدم مصداقيته، ومرة أخرى لعدم الاقتناع بأفكاره وبرنامجه الذي سيطبقه إن دخل إلى قصر المرادية.

ولكن في ظل كل هذه السنوات، من الاستقلال إلى اليوم الراهن، لماذا لم نسأل أنفسنا، بعيدًا عن كل اللاواقعية، وتحكيمًا للعقل، أين هو برنامج الشعب؟ لماذا لا يضع الشعب الجزائري برنامجًا خاصًا به؟

هذا هو السؤال المُلْغَى من عقلنا الاجتماعي، والذي أعتبره أهم سؤال على الإطلاق، لأن وقْفَةً احتجاجية أو مسيرة سلمية، لا تُأْتِي أُكْلَها مرتين، في ظل وضع اقتصادي وسياسي وحتى اجتماعي منهار عن آخره يعاني ركودًا رهيبًا.

أين هي إرداة الشعب؟ أقصد بالإرادة هنا، هي الإرادة في تغيير ذواتنا، تغيير الوضع الحالي بالتفكير في صناعة الفرد الجزائري، وإعادة بنائه اجتماعيًّا، وسياسيًّا، ثم اقتصاديًّا. أما من الجانب التعليمي الثقافي فتلك معركة الوعي الحقيقية، التي غفلنا عنها سنوات عديدة، وهي الحقيقة الكبرى لتقدم الشعوب والحضارات وتطورها.

ألا يجب على المجموعة الاجتماعية أن تركن للفعل، لا القول، وتذهب صوب العقل، لا العاطفة؟

مئات الأسئلة تحتاج إلى إجابات فعلية، تزيح عن الواقع العمى الاجتماعي الذي عبث ولا زال يعبث بمستقبل الشعب، أن نتصالح مع ماضينا، وأن نُسطّر برنامجًا خاصًا بنا، ألا نتساهل مع أنفسنا أبدًا، ألا نترك للكسل والتواكل طريقًا لأرواحنا، أن نكون أو لا نكون بالعمل وليس بكلام المقاهي.

إذا سلكنا درب العلم والفكر، على الأقل سنعوّض القليل، لكن سنبني الكثير، فأوروبا خرجت من ليل دام أربعة قرون ونصف، تحل ظل ديكتاتورية مطلقة ومتوحشة، من جهلٍ لم يترك الأخضر واليابس على وجه الأرض، لكن حينما قيل «أنا أفكر، إذن أنا موجود» تحرك العقل الباطن لأوروبا، ووقفوا وقفة مع أنفسهم أولًا، تحت شرائع سؤال «ماذا نريد؟»؛ فهَبَّت عليهم شمس الأفكار والمعارف، وتحرك معها عقل أوروبا يثور في وجه أعداء المجتمع، والحرية، وبصموا على واقعهم بأن «نكون أو لا نكون»؛ فكانوا ولا زالوا إلى اليوم يضعون دساتيرهم وبرامجهم، لا وبل يُمْلُونَها على العالم أجمع.

وأقول إن السبب الحقيقي لقوى الغرب، في كل المجالات، هو امتلاكهم للعلم، وليس للتكنولوجيا، فالعلم من رحمه تولد التكنولوجيا، وليس العكس، ومن يمتلك المعرفة يمتلك القوة.

هذا مثال أوروبا ولا أبغي به تمجيدا لهم ولا غير ذلك، ولكن فقط ذكرت أن قوتهم في شعوبهم، وليس في سياساتهم، ووصولهم إلى التقدم الحضاري لم يأت هكذا اعتباطيًّا، بل كان ثورة على النفس قبل أن تكون ثورة على السياسة.

وفي الأخير ما زلت أتساءل: أين هو برنامج الشعب الجزائري؟ لماذا لا نعيد النظر في ذواتنا ونفكر مَلِيًّا ماذا نريد في حقيقة الأمر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد