من سوء الطالع أن يتحول المُعتقد الفكري أيًا كان تصنيفه إلى وسيلة للكسب أو السيطرة والهيمنة المجتمعية أو السياسية، فهو في الأصل يعكس مبدأ ومذهبًا وسلوكًا متحضرًا يأتي تحت مظلة الحرية المطلقة، وحين يتم تحييد الدين بوصفه معتقد فكري عن مساره الروحاني الخالص، فإنه يصير مطيَّة تُوظف لخدمة فرد أو جماعة بشكل يرسخ للطائفية والعنصرية في أبشع صورها، وفي إطار ما بحوزتنا حاليًا من نماذج متباينة من المعتقدات المختلطة بالمال السياسي والمصالح، وصلت إلى حد المواجهات الدموية والتصفية العرقية في شتى بقاع الأرض، ووصل معها حد الرفض إلى أقصى مدى، يأتي هنا السؤال عنوان المقال، أين يوجد الدين؟

ونحن نجول بخواطرنا المرتبكة في دروب هذا الشأن بالغ التعقيد، دعونا كالعادة نبدأ من حيث تحديد المعنى الاصطلاحي لما نحن بصدده حتى لا نفقد بوصلة التوجه داخل متاهات أفكار أغلبها متضارب، الدين وهو مصطلح ذو بعد ميتافيزيقي، هو الإيمان بوجود طبيعة خارقة ذات قوة غير مرئية تتحكم في إدارة الكون وظواهره ومصائر، كما إنه فكر متطور يرتبط بمنظومات الأخلاق والمعاملات والعلاقات والعادات لدى البشر على اختلاف ثقافاتهم، وقد عرف بعضهم الدين بأنه المجموع العام للإجابات التي تفسر علاقة البشر بالكون.

والأديان على اختلافها تعنى بتنظيم الجوانب السلوكية في علاقات الإنسان بما حوله داخل أطر محددة تميل دائمًا إلى الإصلاح والخير وتنفر مما هو شرير أو مدمر!

الدين كمبدأ ليس حكرًا على فرد أو جماعة أو نطاق معين، ولكل دين هناك مؤسس أو مُلهم أو مُسبب، كما توجد لكل ديانة مفردات أو نصوص مقدسة قد تأتي في صورة تعاليم أو كتب أو عقائد وطقوس، وهناك من الأديان ما هو عالمي الانتشار كالمسيحية والإسلام والبوذية والهندوسية، وتلك هي على الترتيب أكبر أربع مجموعات دينية في العالم من حيث عدد معتنقيها، وهناك ما هو عرقي مرتبط ببيئات محلية أو جماعات منغلقة كاليهودية والبهائية مثلًا.

وجب التنويه أن المحرك الرئيسي وراء هذا المقال ليس المفاضلة بين المعتقدات المختلفة، لكنه تعاظم الصراع الفكري بين الإسلام والديانات المختلفة مؤخرًا، وظهور دوائر من العنف والانفعال والعصبية، ربما كان للضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أبلغ الأثر في نموها بهذا الشكل المطرد، هذا بالطبع دون أن نغفل تأثير العامل البشري الهام، الذي أجج نيران الفتنة بواسطة مرتزقة وعملاء ذوي تصنيفات اجرامية متعددة، وللأسف بعضهم محسوب على طائفة العلماء والفقهاء، والحكام أيضا.

في فبراير 2015 جاء على لسان جون سورز رئيس جهاز الاستخبارات البريطانية الأسبق هذا القول الذي أحسبه هاما جدًا لخطورة ما احتواه من تصنيف شديد الخبث، وأظنه يفسر بعض الظواهر الجيوسياسية الحالية، فقد قال الرجل بالحرف: أن الإسلام (في العموم) غير مهيأ لإحياء وتحديث نفسه ليواكب العصر.. وكأنه بهذا قرر إطلاق رصاصة الرحمة على الحضارة الإسلامية بالكامل مع درايته الكاملة بامتدادها في جميع أنحاء المعمورة، ربمًا اعدادًا لما نراه الأن من انقسامات وشروخ تضرب تلك الحضارة الأعظم والأكثر جلالًا وقدسية في أصولها الصحيحة، حتى اصبح سفهاء العصر الحديث يهاجمونها وينتهكون حرماتها يوميًا بضراوة منقطعة النظير، وعن غير معرفة كافية بعالميتها. الأمر لن يخلو حتمًا من أهمية الاعتراف بالتقصير الشديد الذي حدث من جانب معتنقي الدين الإسلامي، الذين اكتفى أغلبهم بالتدين الظاهري وآثروا الاستسلام لأئمة التشدد والتكفير ليتلاعبوا بعقولهم، وتركوا لهم مهام التصرف في أمور الدين كافة تفسيرًا وتقريرًا حتى حدث ما لا تُحمد عقباه، الأمر الذي أراه قد سمح بصعود هذا الفكر الرافض لمجرد التعايش معهم داخل بلادهم أو خارجها، فالغرب الذي كفره هؤلاء المرتزقة من أعلى المنابر، صار يخشى النموذج المتشدد من أي معتقد، وأصبح يأبى تمامًا التعايش مع من يحاول تعديل مسار حياته المبنية على التعددية والحرية المطلقة، كما أن عقيدة التعاون والاحترام والتسامح التي يدعي هؤلاء أنهم بصدد نشرها لم تكن مطروحة فيما جاءت به قطعانهم الهمجية التي قررت محاولة غزو العالم تارة بالإرهاب، وتارة أخرى بالمال النفطي أو بالأفكار الراديكالية البغيضة!

قد لا يطرب البعض لتلك الحقيقة الراسخة وهي «علمانية الإسلام» فالبحث الدقيق في المعنى الاصطلاحي للعلمانية ينتهي إلى أن معناها المباشر هو فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية، ويعني أيضًا عدم قيام الدولة أو الحكومة بإجبار أي فرد أو جماعة على اعتناق وتبني معتقد أو دين أو تقليد معين لأسباب ذاتية غير موضوعية، وفي نفس السياق سنجد أن الإسلام في أصوله الفكرية بعيدًا عن التفاسير والتأويلات المحلية اللاحقة التي علقت به، يراعي الفطرة الإنسانية في تشريعاته كافة، وهو هنا لا يخالفها ولكن يعمل على تنظيمها وتقويمها.. فالأصل في الأمور الفقهية كافة هو الإباحة وحرية الاختيار وليس التحريم.. وان كانت العلمانية تنادي بالحرية المطلقة، فقد بني الإسلام حرية المعتقد على مبدأ اختياري صريح «من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» سورة الكهف الأية 29، على أن يكون وجوب عبودية الإنسان لله فقط دون ما سواه وفي مختلف مجالات حياته، والضابط المفترض لهذا في العموم هو مبدأ الثواب والعقاب للفصل فيما كل ما هو دنيوي.

آيات القرأن الكريم في معانيها المباشرة بعيدًا عن تأويلات وتخاريف البعض ممن احترفوا النفاق والتدليس تجدها حافلة بما يحقق سمة واحدة هامة، وهي عدم الميل لفرض الرأي أو المعتقد على الغير، وضرورة استخدام منهج الإقناع بالحوار. فعلى الرغم من اعتماد النص صيغة الدين الواحد «إن الدين عند الله الإسلام» فإن سياق القرآن لم يلغي وجود الديانات الأخرى، ولم يحظر وجود المبادئ والمعتقدات الأخرى، بل أن القرآن الكريم خاطب الجميع معترفًا بوجودهم وترك لهم حرية الاختيار.

في ظل وجود أنظمة سياسية تطرب لتوظيف الدين وتفسيره كما تشاء بعيدًا عن مبادئ الشورى والتعددية، سنظل دائمًا تحت تهديد مقصلة العزلة، وإن لم ينتبه الأفراد لما يحاك لهم من مكائد مرتبطة بموروث شعبي أبعد ما يكون عن أصول الفقه الديني فسيظلوا أسرى لهذا الخلط المدهش في الأمور، وتنطبق عليهم مقولة دانتي الشهيرة «إن أسوأ الأمكنة في الجحيم سوف تكون من نصيب هؤلاء الذين يقفون على الحياد ساعة الأزمة الأخلاقية» فليس من أخلاق الإسلام أبدًا الكراهية والحقد والاعتداء أو الانعزالية.

ومما تقدم أرى بوجوب اعتماد المنهج العقلي في تفسير الأمور الفقهية كافة، والابتعاد تمامًا عن العاطفية والانسياق وارء هوى معين. فلدينا العديد من النماذج التي قد تفتح لنا هذا المجال دون الجور على العقيدة أو المذهب ودون تقديم أي تنازل في المعتقد، فمثلًا حين تطرح للنقاش قضايا مثل الحجاب واللحية، لا يجب أن ننزعج حين يتم ادراجها تحت بند العادات وليس في نطاق الفرائض، فهذا لن ينقصها أحقيتها من الجدل الموضوعي، ببساطة لأن القاعدة الفقهية تقول بأن أمور الملبس والمظهر والهيئات الشخصية تدخل في نطاق العادات وليس العبادات، وينزل المرء فيها على استحسان البيئة.

مع الأسف هناك مثنى خطير أحدث هذا الارتباك الفقهي لدينا وافقدنا احداثيات التوجه السليم للمعرفة الدينية، فقد أوقعنا هذا المثني بين مطرقة محاولات تعطيل حركات التنوير والتحرر من خلال افتعال أزمات طائفية تبنتها كيانات متشددة ذات توجهات استعمارية بما لها من قدرة على تعطيل تلك الحركات لصالح أنظمة شمولية وعروش فارهة لا تعترف بتبادل السلطة من جهة، وبين سندان طموحات هؤلاء المتشددون الجدد الذين أضاعوا عمدًا الفوارق بين التحريم والكراهة والإباحة لتضليل المجتمع لحسابات شخصية بحتة حيث يتكسب أغلبهم ويتربح من جراء هذا الارتباك.

هذا علمًا بأن القاعدة الأصولية تقول بأن «ما اختلاف فيه، لا انكار فيه»، وما يتطرق إليه الاحتمال يسقط به الاستدلال، والاختلاف الفقهي أمر مقرر في التشريع والتاريخ الإسلامي منذ عهد النبوة، ورافض هذا الاختلاف مبتدع في الدين بدعة أصلية لا وكيل عليها إلا الانتصار للنفس واتباع ما تهوى الأنفس، والأصل في الفقه تقديم الأصول على الفروع، ومقاصد الشريعة على الوسائل والآليات.

وهنا أنتهي مرة أخرى إلى السؤال الهام عنوان المقال، أين يوجد الدين؟ في الكتب والتفاسير؟ أم الطبائع والأهواء، أم في قوة وسطوة الأنظمة الحاكمة؟ أم تُراه موجود في العقول التي يتم تحييدها عنوة بشكل يبدو ممنهج؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدين
عرض التعليقات
تحميل المزيد