لا أعلم لماذا حين لطم أبو جهل أسماء بنت أبي بكر قال لمن رآه: اكتمها علي؛ كي لا يتحدث العرب أن أبا الحكم ضرب بنتًا ضعيفة! أبو جهل الذي لعنه المولي في كتابه الكريم مروءته تأبي أن يلطم فتاة! فماذا عن سمية حزيمة في وطن مسلم، ليس في وطن أبي جهل؟

سمية ماهر حزيمة، خريجة كلية علوم، وتعمل كيميائية، لا تختلف كثيرًا عن شباب مصر، أول ما فتحت عينيها، كان على ثورة يناير، والحرية التي لم تدم كثيرًا؛ فسرعان ما انقلبت البلاد رأسًا على عقب بعد ما حدث في 3 يوليو (تموز) عام 2013؛ ليتم اعتقال الوالد وعضو مجلس الشوري: ماهر حزيمة، وتبدأ حكاية سمية التي لم تتوقع  يومًا ما حدث لها مؤخرًا، ولم يأت لها في أسوأ الكوابيس، أو أكثر التوقعات تشائمًا، ذاك الذي حل بنا قبل أن يحل بها، وهو اختفاء سمية قسريًا.

حكايتها بدأت حين كانت تذهب لأبيها في الزيارات بالسجن، وكان بجواره هناك أحد الشباب الذي لم يتوقع يومًا أن يتم الزج به بالسجن، ويتم الحكم عليه سبعة أعوام، فوجد ذاك الشاب القبول؛ فتقدم لخطبة الفتاة من أبيها، لا تتعجب! لم يأخذ وردًا أو تورتة، أو ما اعتدنا عليه. لقد ذهب للعنبر الذي بجواره، فهناك يقطن الوالد في قصره الذي أعده النظام له، خطبة داخل أسوار السجن، ومن غيابات الجب بات شباب مصر يلون الحياة التي لم يعد بها لون غير الأسود، فإما عصبة سواد على عينيك في السجون، أو سواد الأماكن التي تحكم غلقها جيدًا مطاردًا من قوات الأمن داخل مصر، أو سواد زي الأمن يعتدي عليك في مظاهرات سلمية، أو لون الحياة الذي بات خارج كل عقل وخيال، تمت خطبة تلك الفتاة  التي ستنتظر سبعة أعوام، ولا تعلم مصير ذاك الشاب، وعذرًا؛ فقد نسيت وظيفة هذا الشاب، هو طبيب بشري، لا تجعل العجب يأخذك؛ فسجون مصر تمتلئ بالعلماء والطلبة والمهندسين وأساتذة الجامعة.

وتستمر الزيارات فهنا بات الأب وزوج المستقبل الذي ينتظر مصيرًا مجهولًا، وتمر الأيام، ويتم قبول استئناف الدكتور حسام خطيب سمية، ويخرج للنور بعد أربعة أعوام من السجن، خرج منذ شهور قليلة؛ ليعقد على خطيبته، ويبدآ طريقهما في عش الزوجية، ذلك الذي عاني من ويلات الظلم والظالمين أربعة أعوام، فبصيص نور وفرحة تقترب من تلك الفتاة التي تقضي ربيع عمرها في وقت خريف الوطن، ليكون بين السجون تارة للأب، وتارة لزوج اليوم، الذي يعد العدة لعرسهما، ولكن تأبي قوات الأمن في مصر أن تتم فرحة لشاب أو فتاة من جيل الثورة، بالأمس خطفوا العريس ليلة عرسه، فينكسر باب البيت، ويتم تكسير محتويات البيت، واعتقال سمية واختفائها قسريًا منذ 17 من شهرنا الجاري،  وحتى كتابة تلك الكلمات أسبوع  كامل.

ومازالت مختفية في غيابات الجب أسبوعًا، فتاة تختفي فيه قسريًا في مصر، لن أحدثك عن زوجها أو والدتها أو البيت والأهل والأصدقاء، تخيل فقط أن تختفي لك بنت أسبوعًا في سجون السيسي!

رسالة إلى السيد السيسي وقوات الأمن، أختم بها هذا الألم والجرح الغائر، فلم تعد هناك كلمات تعبر داخل حدود هذا الوطن، مازال هناك شباب داخل مصر لم يختف قسريًا بعد، افعلوا بنا ما شئتم، ودعوا البنات وشأنهن، ولن نشتكي ويلات تعذيبكم، ولن نزعجكم كثيرًا، افعلوا ما يروق لكم، ودعوا البنات. وإليك يا أبا جهل! ليتني عشت عهدك وعذبتني وأخفيتني قسريًا؛ يكفيني أنك كنت ستكون أرحم بنا مما يحدث لنا داخل مصر الآن، ويكفيني أنك أيها الكافر كنت تمتلك مروءة، فلا نخشى على أهل بيوتنا وبناتنا أن تختطفهم وتخفيهم قسريًا لأسابيع لا نعلم عنهم شيئًا، شكرًا أيها الوطن الذي جعلتنا نترحم على عهد أبي جهل.

«سمية حزيمة  فين؟!»

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد